wrapper

أخبار عاجلة

بقلم: كمال العنزي الأحوازي

 

البلورة الفهومية

يطل علينا محمود عبد الله بدرا سة من أرض الثلوج السويدية: "نحن والتجديد" بموضوع مهم على ما يبدو، وإجمالا يكشف لنا العنوان أن الكاتب سوف يتناول موضوعا في غاية الأهمية يتطلب تحديد منهجية جبارة كي يستوفي متطلبات الموضوع، وهو التجديد، فما هي المنهجية التي اعتمدها إذاً في صياغة البحث؟ ذلك أمر لا يمكنني البت فيه حاليا حتى وصول نسخة من الكتاب إليّ.

ومن الواضح للمعنيين في مجال التجديد ونقد التراث أن مثل هذه الدراسات تصنف في عداد البحث الفكري كما يسميه الفيلسوف إيزيا برلين أو علي الحرب الباحث في مجال الفكر والفلسفة وغيرهما والعبرة بالموضوعات لا خصوص الأسماء إلا أن الذي نتمناه محاشاة الدراسة مسألة التوتولوجيا وبخاصة عدم المضي على مسار الانتيليجنسيا وهذا الأخير يشغل حيزا واسعا في بحوث الفيلسوف برلين عند نقد النتاج المعني بتصنيف فكر الإنسان وضروب الإبداع فيه.

 

والجانب الذي أود الإلماعة إليه أن الكاتب يلفت أذهاننا إلى أنه سوف يبحث موضوعا على أدنى تقدير يلزم أن يتناول فيه (البلورة الفهومية) ليقف مع موضوع عسير بقي لهذه اللحظة يثير جدلا بين القديم والجديد وهو: التجديد.. تُرى إذاً كيف سوف ينطلق محمود عبد الله في البحث عن التجديد أيديولوجيا أم إبستمولوجيا أم ماذا؟ فهناك من استخدم هذين المنهجين كما هو حال الجابري في نقده للتراث والخوض في مسألة التجديد.

ومن أجل تنوير القارئ بخاصة الأحوازي حول الدراسة تلزم الإلماعة على أنها لا تعتزم البحث في الأصوليات الدينية وكذا العلمانية ــ بناء على ثبوت العنوان ــ وهذا ما هو معتمد في صياغة البحوث التي تلتزم الأسلوب العلمي فإن العنوان يلزم أن يواطئ المعنون ولذلك فإن العنوان يقوم بعميلة (تداعى المعاني) كما نسميها في علم الأصول الإسلامي، أو (الانتزاع) كما في الفلسفة حيث يستحضر في الذهن (نقد العقل العربي) والقومي والعقل الديني والخطاب الديني لدى الجابري وأركون ونصر حامد أبي زيد أهم عينات بارزة يمكن الإشارة إليها عابرا بهذا المجال.

وبناء على هذا فمحمود عبد الله في "نحن والتجديد" يكون أمام: التاريخانية وعدمها والموضوعية واللاموضوعية أو بلورة الخطاب أو نقد الفهم التراثي لتركة الأحواز الشهير بمساهماته الحضارية والدينية في منطلق الأمة طيلة القرون التي عاشها قبل سقوط الإمارات آخرها إمارة عام 1925.

وكأن الباحث في الدراسة ـــ حسب عنوانها الملاحظ ـــ يلج موضوعا جدليا كتب فيه أهم شخصية فكرية في العهد الحديث الجابري كما "نحن وتجديد التراث" إلا أن المهم في هذا المجال هو: انطلاقية محمود عبد الله في التعامل مع التراث الأحوازي والماعونية التي سوف يقبض بها على أطراف التجديد. وإن تصح المماثلة بينه وبين من أقدم على تناول مسألة التجديد.. عندها نتساءل فهل يبحث بالمنهجية الجابرية مثلا كما اتبع الجابري في بعض من مشروعه رؤية ميشل فوكو بكتابه الشهير عند القراء العرب "بنية العقل العربي" أو الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبرية في كتابة بحثه "نحن والتراث"؟

جانب نتحاشى الخوض فيه.. حاليا حتى تصل إلينا نسخة الكتاب من السويد.. إلا أننا نهيئ في هذه الفقرات الذهن الأحوازي والقارئ العربي إلى أهمية هذا القبيل من البحث بالنسبة إلى الأحواز.

إن من القضايا التي تتطلبها مثل هذه الدراسة هو ضرورة التنظير الملزم بتقديم إفرازة من قبل الباحث المنظور وغيره ممن يعنى بالمسألة على أن يبيّن مهمة القارئ الأحوازي الاعتيادي عن غير من النشطاء في مجال الثقافة أو المعنيين بالعلم والمعرفة والدين والفكر أمام مسألة عسيرة جدا وهي "التجديد" فهل هذا ما تحصّل في واقع أمر الدراسة؟ سؤال لا يمكن أن أبتّ فيه وليس من العلم القول بما لا عينة أو شاهد من دليل له وإنما يكون هذا من نماذج الجهل المزدوج.

ولكن أجمالا يلزم العلم بأن هؤلاء المفكرين الذين ألمحنا إليهم يتأرجح نتاجهم بين نقد العقل العربي وبلورة الفهم كما عند الجابري، حيث اخترناه للماثلة بين الدراسة وبين المشروع الجابري إذ قدّم رؤية (القطيعة مع الفهم التراثي) وهكذا مشكلة الموضوعية وغيرهما لأن الرؤية الجابرية هي الأكثر شيوعا وتأثيرا في العناية بالتراث العربي والإسلامي أو نقد الخطاب الديني كما هو حال أبي زيد أو نقد العقل الإسلامي وبهذا نعرف المفكر محمد أركون.. أجل هناك محاولات في المضمون نفسه كما عند حسن حنفي في كتابه "التراث والتجديد" إلا أنّ حنفي يخص التراث الكلامي الإسلامي.. ولا يهمه العقل العربي الذي صاغ نظريته الجابري. ونشير إلى هذا الجانب بناء على الأخذ بالمسلمات في الاسم والمسمى.. فربّ تسمية تبعد عن المسمى بمسافة بين عبادان والحويزة.

وبناء على ذلك.. إذاً ما الذي يُريد أن يقوله محمود عبد الله للقارئ الأحوازي وبأية منهجية يحدثنا وما هو تصوره لمفهوم "التراث والتجديد"؟ وما هو المطلوب من المثقف والعالم والباحث الأحوازي في هذا السياق كله إضافة إلى ما طرحناه بالفقرات المتوجهة إليه قبل قليل؟ هذا ما يمكنني أن نقوله لاحقا بعد قراءة الكتاب شريطة استلامه من المؤلف كما وعدني بذلك.

كمال العنزي الأحوازي ـ أستاذ الشريعة والفلسفة بقم سابقا

آخر تعديل على الأحد, 20 نيسان/أبريل 2014