wrapper

أخبار عاجلة

مصطلح التيار الإصلاحي في إيران اتخذ أشكالا مختلفة عبر العقود الماضية، وتبلور بصورة قوية في الداخل الإيراني، والحديث عنه في العالم مع مجيء خاتمي الرئيس الأسبق 1997 إلى السلطة. فهذه الورقة البحثية تحاول رصد هذا التيار قبل أن يستلم السلطة وتبين منطلقاته الفكرية، والحركات والشخصيات التي ساعدت في بروزه. بالإضافة إلى الحراك المجتمعي القوي الذي دفع السياسيين والمنظرين أن يدرسوا هذا الواقع، ويعطوا حلولا لتفادي موجات التغيير التي كانت تجتاح الدول النامية. أما هذا التيار وبطبيعة سلطة أمر الواقع على الشعوب غير الفارسية، فقد كان له لقاء مع الشعب العربي الأحوازي.
الجزء الأول: نشأة التيار الإصلاحي بين الواقع المجتمعي والحركة التنظيرية
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن المنصرم، بات التحرك الفكري في الولايات المتحدة الأمريكية يبشر بانتصار قيم الليبرالية، مما أنذر بفتح عصر جديد ونظام عالمي يكشف عمق التغيير الحاصل في بنية النظام الدولي. هذا التغيير الحاصل، يعكسه فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ، حينما يُؤصل نهايات التحرك الإنساني على ضوء النموذج الليبرالي، مصرحا بوجوب اتباع هذا النهج من قبل الدول التي تريد الوصول إلى العالم الحر. هذا التطور يمر عبر إصلاح الأنظمة، بما يتناسب والفكر الليبرالي، الذي يقول عنه فوكوياما: “إن الديمقراطية الليبرالية لا يمكن أن تدخل من الباب الخلفي، بل يجب أن تأتي لحظة ما ومن قرار سياسي واعٍ ومقصود، يعمل على تأسيس الديمقراطية (1)”.
وفي قراءة نقدية للتطور الذي حصل أواخر القرن الماضي، وتحديدا زمن ولاية رئيس الجمهورية الإيرانية الأسبق هاشمي رفسنجاني 1989-1997، من قبل مثقفين وكتاب وسياسيين، ظهرت بوادر حراك فكري عميق في طهران، عقب العبور من عقد الثمانينات التي بدء فيها عملية التحديث والإعمار بعد الحرب العراقية-الإيرانية 1988. وكانت منطلق عمل التيار الذي سمى نفسه الإصلاحي لاحقا. يرى حسين بشرية هذه التغييرات التي حصلت في تلك الآونة بتسارع ركب العولمة والضغوط الناجمة عن هذا المسار، وجعل الشرائح المثقفة المرتبطة بالحياة السياسة الإيرانية تفكر بقوة لإحداث التغيير المفروض من واقع المجتمع، والرامي إلى التغيير داخل النظام الذي يسيطر عليه الخطاب الأصولي.
⦁ عملية التحديث الاقتصادي
الحراك المجتمعي في إيران بكل فئاته، كان يتهيأ لعملية التغيير قبل أن يأتي خاتمي إلى الرئاسة الإيرانية 1997. فعملية التحديث التي قادها رفسنجاني، ركزت على الجانب الاقتصادي، وكان الهدف منها عملية الإعمار بعد الحرب الإيرانية-العراقية. وقد ركز الباحثون بشأن هذه الفترة على نظرية هانتينغتون حول التنمية غير المتوازنة في الدول النامية، التي يضعف فيها الاهتمام بالتنمية السياسية وبناء المؤسسات السياسية والأحزاب، في إثر عملية التحديث. في ظل هذه النظرية (التنمية غير المتوازنة)، إذا كانت عملية التحديث غير مكتملة ولم تتوازن التنمية السياسية مع التنمية الاقتصادية، فإنها تؤدي إلى تفجير إمكانيات كامنة في المجتمع. هذه القوة تكشف عن نفسها بشكل حركات اجتماعية، وصراعات سلمية، وحركات قومية، وعنف سياسي، وبالتالي ثورة على الكبت الاجتماعي والسياسي، هذه العملية يسميها البروفسور هريشمن بالتنمية المتناقضة (2).
إن عملية التحديث هي عملية مركبة ومعقدة، تستهدف كل قطاعات المجتمع، فمن الناحية النفسية نرى تحولا بنيويا في القيم، ومن الناحية الديمغرافية أيضا هنالك تسريع وارتفاع في نسبة سكان المدن في مقابل الريف أو القرى، اجتماعيا واقتصاديا التغيير أيضا بنيوي (3). لهذا فالحراك الاجتماعي الذي كان يغلي زمن رئاسة رفسنجاني، هو نتاج التركيز على التنمية الاقتصادية، وإهمال التحرك الاجتماعي والتنمية السياسية، وأهم مؤشرات هذا الحراك الكبير الذي انفجر مع وصول خاتمي عام 1997 إلى الرئاسة كانت:
من جانب الاقتصاد، زيادة الإنتاج في القطاع الزراعي، وتحديثه، وتطور ملحوظ في الجانب الصناعي، كما أن ازدياد عدد السكان الشباب في المجتمع، شكّل مؤشراً على التغيير القادم، حيث تميل هذه الفئة تميل إلى الأحزاب والتيارات التي تنشد التغيير منها إلى الأحزاب المحافظة، وفي هذه الآونة، زاد التحضر في عموم البلد، وتم انتشار التعليم في كل المقاطع، خاصة الدراسات العليا بصورة واسعة.
في فترة رفسنجاني لم يسمح لأي عمل سياسي، بناء على الوضع الذي كانت فيه إيران آنذاك، فالسلطة الحاكمة كانت أمام خيارين، الانفتاح أو قمع المطالبات السياسية الرامية إلى المشاركة السياسية، فاختار رفسنجاني طريق انسداد أفق العمل السياسي، باستثناء العمل الذي يساعد في دفع عمل التحديث والبناء إلى الأمام. رفسنجاني كان صريحا في موقفه الرافض للانفتاح السياسي: “أنا ضد التقسيمات التي تحوِّل العمل إلى أحزاب يمين، ويسار، وتقليدي، وتقدمي، العمل هو فقط في إطار منهج الإمام خميني (خط أمام)، وعملية البناء وكلّ ما دون ذلك معادٍ لنا (4)”.
⦁ التطلعات السياسية للطبقة الوسطى:
الطبقة الوسطى التي ظهرت إبان التنمية التي قام بها الرئيس الأسبق رفسنجاني، هي كما وصفها ابراهاميان “مزيج بين نظرية ماركس وماكس ويبر حول تشكيلة طبقة الوسطى التي ظهرت أثناء عملية البناء الاقتصادي. فالطبقة الوسطى هي مجموعة من الأخصائيين، وأصحاب المهن، والموظفين، والأستاذة وطلاب الجامعات، والفنانين، والكتاب، والمثقفين والمفكرين (5)”. الجدير بالذكر، أنه في العالم الثالث حينما تحدث عملية التحديث، تظهر بالضرورة هذه الطبقة الوسطى، على حد زعم الكتاب والمثقفين، هذه الطبقة تأخذ على عاتقها “قيادة المظاهرات، والتحركات السياسية والاجتماعية، وهي في حالة انتقال وحركة دائمة من الأيديولوجية الوطنية إلى أيديولوجية اليسار المتطرف (6)”.
سياسة رفسنجاني في عملية التحديث، ازداد فيها أعداد المتعلمين من ناحية التعليم العالي، فتوسعت دائرة المثقفين والمفكرين، ونشأت الطبقة الوسطى الجديدة. ومن جانب آخر، ولعدم وجود حريات ومشاركة سياسية، هذه الجماعات التي تشكل الطبقة الوسطى، أصبحت قريبة من النظام الحاكم فترة رفسنجاني (7). أما الحراك الطلابي، فكان ممثلا باسم (دفتر تحكيم وحدت)، وشعت هذه الروابط الطلابية من خلال العبور من نقد تحركاتها اليسارية والاتجاه نحو مفاهيم تلائم قراءتها للفترة التي يعيشونها، فظهرت مفاهيم الحرية، وعدم استخدام العنف، واحترام القانون، والمطالبة بالحريات العامة، والتنمية السياسية.
في ظل ما سبق، يمكن لنا الآن الحديث عن الحراك الفكري النظري، الذي كان يقرأ بصورة عميقة التغييرات في المجتمع، بغية الوصول إلى أرضية يمكِّن هذه الفئات من الاشتراك في الحياة السياسية، دون أن تنجر إلى أعمال عنف بغية التغيير في نظام الحكم. هنا لابد من الإشارة إلى إشكالية هامة وهي مدار هذا البحث، وهي أن رأس الحربة في الإصلاحات، هم أبناء النظام الذين أخذوا زمام المبادرة بيدهم حفاظا على النظام الحاكم.
⦁ المجموعات الفكرية المنظرة للإصلاحات:
حلقة كيان أو مجلة كيان، المجموعة التي كانت تعمل ضمن هذه الحلقة الفكرية، هي نتاج مرحلة العمل في مجلة كيهان الثقافية، أمثال: “شمس الواعظين، رخ‌صفت، طهراني”. والشخصية البارزة في هذه الحلقة الفكرية هو عبد الكريم سروش وحجاريان الذي كان يكتب بعض المقالات باسم مستعار وهو جهانگير صالح‌ پور وآرمين، مرتضي مرديها، أكبرغنجي، آرش نراقي، ابراهيم سلطاني، محسن سازكارا، جواد كاشي، حسين قاضيان، ناصر هاديان، مصطفي تاج‌ زاده (8).
هذه الحلقة قبل أن تسمى بهذا التسمية، كانت تنشر مجلة كيان، والتي وصل العدد الموزع منها ثلاثين ألف طبعة يومية، وتحتوي قضايا فكرية وثقافية تحث على الإصلاح بكل جوانبه. هذه المجلة، وتباعا الحلقة الفكرية، كانت تضم المثقفين الذين قد تجاوزوا زمن الرد على شريعتي المنادي بالإصلاح المذهبي، ويبحثون عن ديمقراطية حقيقية، كانوا يتأملونها إبان الثورة 1979 التي كانت ضد الاستبداد كما يصفها شمس الواعظين (9).
حلقة سلام وجريدة سلام: هذه الحلقة كانت تضم أفرادا كانوا في السلطة زمن رفسنجاني، أمثال موسوي خوئينيها، الذي ترأس مركز الدراسات الاستراتيجية، ونصب حجاريان في قسم القضايا الاجتماعية كمساعد. هذه الحلقة الفكرية أهميتها تأتي من حضورها الدائم والواقعي ضمن السلطة الإيرانية، وكانت تعمل بالتنظير والعمل الميداني ضمن هيكلية النظام.
حلقة آيين ومجلة آيين، طلب خاتمي بعد استقالته من منصب وزارة الإرشاد إنشاء مجلة آيين، لكن أيضا تبدلت هذه الجهود إلى جلسات يحضرها العديد من النشطاء والسياسيين آنذاك. من أهم هذه الشخصيات، هادي خانيكي، سعيد حجاريان، مصطفي تاج‌زاده، محسن أمين‌زاده، عباس عبدي، محسن كديور محمد رضا خاتمي. هذه الحلقة الفكرية كانت تأخذ من أفكار حسين بشيرية منطلقاً للعمل الإصلاحي القادم.
من كل ما تقدم حول الحراك الفكري التنظيري في قلب النظام الحاكم وخارجه وشخوص هذا الحراك الكبير بمختلف تياراته ومشاربه الفكرية، يبقى السؤال الأهم حول ماهية مبادئ هذا الحراك، وبنيته التحتية، واستراتيجيته، وخطابه، وما آلت اليه هذه التحركات وأسسها الفكرية؟
الفكرة الأساسية التي كان يطرحها هؤلاء النشطاء والسياسيين، هو البعد عن الثورة، وعدم الدخول في صراع مع النظام الحاكم. والمراد من كل هذا العمل، هو الحفاظ على النظام الجمهوري الإسلامي ووحدة الأراضي الإيرانية. لذا صار شعار الإصلاح هو البديل عن الثورة: “تغيير النظام السياسي في إيران عبر الثورة، لا يؤدي بالضرورة إلى الديمقراطية وحكم الشعب، بدليل بنية وهيكلية نظام الاستبداد في إيران، الذي يعيد إنتاج الاستبداد في داخله. وهذا مرده إلى ضعف المجتمع المدني أمام القوة الحاكمة. فالطريق إلى إحداث التغيير، يمر عبر المأسسة وبناء المؤسسات المدنية والمجتمع المدني، وضرورة تفهم القوى الفاعلة المطالبة بالديمقراطية، بعدم المواجهة بالطرق الثورية المعروفة، والسعي لإحداث التغيير عبر الإصلاح وليس الثورة (10)”.
“فالطريق إلى التغيير، رأيناه يمر عبر الإصلاح والطرق القانونية، والعمل المكشوف ضمن المؤسسات التي ستقوم بهذا العمل المرتجى”. هنا نأتي إلى أهم المواضيع والتكتيكات التي بني عليها مشروع الإصلاح الذي سمي فيما بعد بـ (دوم خرداد) الثاني من خرداد 1997، والذي ينأى بنفسه عن التغيير البنيوي، وهو غير معني بتفكك البنى التي يقوم عليها النظام، وحراكه ليس ثوريا، ولا يحمل في طياته العمل العنيف.
⦁ السياق الهيكلي والأرضية البنيوية للإصلاحات:
تمثل العقد الأول للثورة الإسلامية في إيران بسطوة خميني والأصوليين على السلطات الثلاث، وبمحورية الملالي ورجالات الثورة والحرب، وتقريبا استمر هذا الوضع زمن رفسنجاني، ولو بطرق أخرى. فمجيء الحراك الإصلاحي كان نقلة نوعية في الحياة السياسية الإيرانية، وذلك لتوسيع المشاركة السياسية، والعبور من الأزمات الآتية مستقبلا، ويمكن أن تكون عنيفة وتأخذ مجرى ثوري إن لم يتم التعامل معها بصورة جدية. أما السياق الاجتماعي والتغيير الحاصل في القيم والأعراف وظهور الطبقة المتوسطة الجديدة، وبناء المؤسسات الفكرية التنويرية، وظهور نخب جديدة مع اتساع دائرة الوعي السياسي، فقد كانت من أهم مؤشرات تلك الفترة التي سبقت مجيء التيار الإصلاحي.
هذه الأرضية بنيت على الفئات والشخصيات والمفكرين الذين أخذوا على عاتقهم العبور إلى الديمقراطية والتمهيد لإصلاح الدولة الأيديولوجية وهم: المجموعات اليمينية التقدمية، مثل: مجمع روحانيون مبارز، ومجمع روحانيون خط الإمام، والأحزاب: كحزب همبستكي ايران الإسلامي، حزب مشاركت الإسلامي، دفتر تحكيم وحدت، والمجموعات الإصلاحية (11).
“وهنالك أرضية صلبة فكرية عقائدية مهدت لظهور الإصلاحات، ومنطلقات هذا الحراك تبدأ من قيم الديمقراطية، والحرية، وارتباط النظام والمجتمع المدني، وتأثير العولمة على كل الشرق الأوسط. كل هذه المواضيع كانت مثار اهتمام الفئة المصلحة (12)”. كما يجب الإشارة إلى نقاط هامة أخرى في عملية الإصلاح الذي نادت به هذه الفئات والتي سميت مجازا بـ “الثورة داخل الثورة”.
كما أن الكتابات والدراسات في هذه الفترة كانت تسعى لتهيئة الظروف اللازمة للإصلاح وهي: “ملء الفراغ بين الحداثة والتقاليد، وملء الفراغ بين الحاكمية والناس، وملء الفراغ بين الدين والمجال العام، وملء الفراغ بين الثقافة المسيطرة والثقافات والإثنيات الأخرى، وملء الفراغ بين الكتل البشرية والمجتمع المدني، وملء الفراغ بين النظام الاجتماعي والنظام السياسي (13)”.
لملء هذه الفراغات، قامت المجموعات السابقة الذكر بالعمل الجاد لإصلاح نظامهم المتآكل من الداخل، وعليه يقول سعيد حجاريان، وهو من مؤسسي الاستخبارات الإيرانية الحالية أوائل الثورة الإيرانية 1979، وهو أيضا من مهندسي الإصلاحات، وقد درس الماجيستر والدكتوراه على يد د. حسين بشرية 1996 ورسالته المعنونة باسم (الموعودیة في االثورة الروسیه والثورة الإیرانية)، قائلاً:
“لا يمكن إصلاح نظامنا الحالي الديني فقط من الجانب السياسي، هذا خطأ بعينه، لأن الإصلاح في الأنظمة الدينية لسبب تداخل الدين بالسلطة أمر صعب. فعليه عملية الإصلاح السياسي يجب أن تمر عبر عملية الإصلاح الديني لا محالة (14)”. كما يضيف: “أملنا وهدفنا هو الوصول إلى مصاف الدول الراقية، وهذا لا يتم إلا بالإصلاح (رفرماسيون)”. ويضيف: “إن الإصلاحات في إيران بعد الثورة 1979، قد مرت بثلاث أنواع: الديني، والاقتصادي، والسياسي”. فملتقى كل هذه الجهود الفكرية والثقافية التي تكلمنا عنها سابقا كان في الثاني من خرداد 1376 شمسي -1997، حينما التقت المشاريع الإصلاحية الثلاث الديني والاقتصادي والسياسي. فتكللت هذه الجهود بنجاح كاسح للإصلاحيين، الذين كان ممثلهم ومرشحهم لرئاسة الجمهورية هو خاتمي الذي بدأ عمله بشعار (ايران براى همه ايرانيان) أي “إيران لكل الإيرانيين”، والمطالبات الإصلاحية السابقة الذكر.
هنا لا نخوض فيما آلت اليه الإصلاحات في عموم إيران، وفشلها على يد المتشددين، والتي أدت إلى ظهور أحمدي نجاد وضرب الحركة الخضراء (جنبش سبز)، وسجن النشطاء وتعطيل العمل السياسي والدخول في عقد أحمدي نجاد. وكل ما حصل للإصلاحيين ومحاولة اغتيال سعيد حجاريان الذي نجى من الموت، والذي كتب قوله الشهير “اصلاحات مرد درود بر إصلاحات” أي: “الإصلاحات ماتت، تحيا الإصلاحات”.
لكن في الجزء الثاني من هذا البحث، ما يهمنا هو ردود هذا الخطاب الإصلاحي داخل الأحواز، بعد ما عرفنا ما جهز في المركز، وكيفية تشكل هذه الردود على الساحة الفكرية والسياسية والاجتماعية في الأحواز، قبل وبعد عام 1997.
الجزء الثاني: تقاطع الخطاب الإصلاحي الإيراني مع الشعب العربي الأحوازي
انتصار ثورة الشعوب في عام 1979، التي أطاحت بنظام البهلوي المؤسس للدولة الحديثة التي نشأت على مبدأ العرق الآري، والتي اضطهدت القوميات بشتى الطرق المعروفة، بدءا من عملية التفريس ونهاية بالمجازر الجماعية والتهجير، كانت إيذانا بفتح مرحلة جديدة. لكن أحلام الشعوب صارت بيد ولاية الفقيه (خميني) الذي رد على مطالب الشعب العربي الأحوازي المعروفة آنذاك، والوفد الذي زاره وسلمه تلك المطالب بجملة مجازر، منها: مجزرة المحمرة 30 مايو 1979، ومجازر خلخالي في السنوات والأشهر التي تلت هذه المجزرة. لكن الشعب العربي الأحوازي بحكم التطور التاريخي ودينامية حراكه، استمر خلال العقدين التاليين لثورة الشعوب بالاحتجاجات والانتفاضات المستمرة ضد سياسات نظام الملالي. أهمها كانت احتجاجات الشعب بقيادة نشطائه ضد إهانة الشعب العربي بوصفه بالغجر، وكانت أهمية هذه الاحتجاجات -على أقل تقدير- بقاء جذوة الحراك في الشارع الأحوازي المطالب بحقوقه التاريخية متقدة وحاضرة.
مع بدايات تسعينيات القرن العشرين، ونظرا للتغيير العالمي الذي حصل في أعقاب سقوط المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وانتشار قيم الليبرالية خاصة في الدول النامية، تأثرت هذه الدول بهذا التغيير، مما جعلها تبحث عن طرق لفهم المرحلة القادمة. ولم يكن الشعب العربي الأحوازي بمنأى عن هذا التغير، بحكم تأثره بالسلطة الحاكمة بكل تفاصيل سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسة. عملية التحديث التي تكلمنا عنها سابقا -زمن رفسنجاني- والتي تزامنت مع سلب الأراضي الزراعية للعرب في الأحواز، سببت أزمة اقتصادية هزت القوى الوطنية والنشطاء في الأحواز. كما أن سياسة بناء السدود على نهري كارون والكرخه، وبدء عملية تجفيف الأهوار، كانت مزلزلة على الشعب العربي في الأحواز.
وبحكم انسداد العمل السياسي في عموم إيران زمن رفسنجاني، اشتغل النشطاء الأحوازيون على تنظيم المظاهرات العارمة التي تجوب الشوارع، إما نصرة للشعب الفلسطيني وانتفاضاته ضد إسرائيل، وإما دعما للشعب العراقي الذي كان يواجه عدوانا أمريكيا في التسعينيات. كل هذه المظاهرات والاحتجاجات كانت بصورة رمزية، والأصل فيها قضية الشعب العربي الأحوازي بغطاء قضايا عربية شقيقة.
العمل التوعوي والثقافي في الأحواز: العمل ضمن الجانب الثقافي والتنظيري كان على قدم وساق، حيث كانت المجموعات الثقافية الأحوازية تعمل قبل مجيء الإصلاحات على عدة محاور. ويقول الناشط والكاتب الأحوازي محمود عبد الله: “كان العمل الفكري يقوم على فهم بنية الدولة الإيرانية ما قبل الدولة الحديثة، وطرح فكرة مفادها نقد الفكر الفارسي المعروف في وقته بعبارة الخطاب الشوفيني الفارسي”. ويضف الكاتب أيضا “إن القبلية وقضية الهوية العربية كانت ضمن هذا المشروع الفكري، الذي استمر حتي بعد تأسيس الوفاق (15)”.
ويصف محمد شريف النواصري، أحد أهم النشطاء في الساحة آنذاك، بصورة جلية ما كان يدور من حوارات وقراءات للطبقة المتعلمة والمثقفة، محاولا التنظير للمراحل القادمة. وذلك من خلال فهمه العميق لبنية الدولة الإيرانية التي لدينا معها -كشعب عربي- تجارب مريرة، حيث يقول: “استلهمت الدولة الإيرانية الحديثة أسسها الفكرية والمنهجية من التراث العنصري للشعب الفارسي ونخبه الفكرية والسياسية، ومانيفسته أو بيانه المعروف بـ “شاهنامه فردوسي” والمثقفين الفرس المتأزمين، والمتأثرين بالعصر الحديث (16)”. ودعا هذا الكاتب إلى بناء علاقة بين المركز ومناطق القوميات بناء على أسس علمية حديثة لتجاوز معيقات هذا البناء.
ويلخص كاظم مجدم، أحد النشطاء في تلك الفترة، العمل في الساحة قبيل ظهور الإصلاحات على النحو التالي:
– العمل ذو الطابع الثقافي، من جمع الكتب والمصادر التاريخية والفكرية، والتركيز على تنشئة الجيل الجديد خاصة الطلاب.
– تجنب العمل السري الذي حاولنا عمله عبر التنظيم السياسي والذي فشل لأسباب كثيرة، والتحول إلى تشكيل المنتديات الفكرية.
– تبني التصحيح في المذهب الشيعي من منطلق ارتباط النظام الديني والمذهب الشيعي الذي يؤثر في الرأي العام الأحوازي وذاك بغية تقوية الجانب القومي آنذاك.
– النقد والتعمق في نظرية ولاية الفقيه، وربط ضياع الوطن باتباع وطاعة الناس لرجال الدين.
– من التشيع إلى التسنن رحلة أخرى قامت بها الطبقة المثقفة، وقضايا أخرى تشمل نقد الذات والمجتمع ومظاهر التخلف وقيم القبيلة من الثأر واضطهاد المرأة إلى محاربة مظاهر الخرافة (17).
الطبقة الوسطى فى الأحواز: الطبقة الوسطى الجديدة التي تأسست عقب عملية التحديث في عموم إيران، التي قام بها رفسنجاني، نجد بوادرها في المجتمع الأحوازي، حيث نسبة التعليم عند النساء ونسبة الطلاب في الجامعات كانت في ازدياد. وأثر هذا الأمر في الوعي بالذات بشكل كبير. إضافة إلى وجود الأفكار القومية العربية واليسارية، مما كان عاملا مساعدا بمده الثقافي في كل المجالات. هذا الرافد الفكري النابض تستقي منه التيارات الفكرية الأحوازية منطلقا للتغيير. ومنها كتب: الجابري، على نعمة الحلو، أركون، نصر حامد أبو زيد. وفي الجانب الأدبي: نزار قباني، محمود درويش، أحمد مطر، جبران خليل جبران. والعشرات من الأدباء والمثقفين التي كانت كتبهم تصل عبر المعارض الدولية في طهران. كما أن الكتب والمجلات الفكرية والسياسية باللغة الفارسية كانت في متناول اليد مما يجعل الوعي لدى الشباب المثقف يزداد ومن مصادر مختلفة. هذه الصحوة الفكرية كانت قد سبقت فترة الإصلاحات 1997.
التيار العربي الإيراني المتماهي بالسلطة: التيار الإصلاحي لم يخلق الأجواء التي ساعدته على الانطلاق القوي وانتصاره الساحق في كل من منصب رئاسة الجمهورية ومقاعد البرلمان والمجالس البلدية. ايران بكل مكوناته كانت جاهزة للانفجار، فأتت هذه اللحظة وتمثلت بالإصلاحات أو -الثاني من خرداد- عام 1997، لتعلن عن بداية جديدة في العمل السياسي المطالب بالتغيير. في الأحواز، المجموعات والأشخاص الذين كانوا مرتبطين بالمركز، كانوا على اتصال مباشر بالتحولات الجارية على الساحة السياسية. وقبل سنوات بدأوا بالجلسات مع القوى العروبية القومية، بغية تحريك الشارع العربي للدخول في المرحلة القادمة. ومن أهم القضايا التي نستطيع التركيز عليها من جانب عمل التيار العربي المتماهي بالسلطة الإيرانية، والذي يستوجب عزله عن التيار العروبي القومي الوطني الأحوازي، هو كشف خيوطه في أدبيات جبهة الإصلاحات. هؤلاء استطاعوا وبحنكة تمرير إرادتهم على أقل تقدير في بدايات الحراك المتمثل في لجنة الوفاق.
من أهم هذه النقاط التي تكلمنا عنها في الجزء الأول هي:
– ملء الفراغ بين الحاكمية والناس.
– ملء الفراغ بين الثقافة المسيطرة والثقافات والإثنيات الأخرى.
هذه الفراغات لا يستطيع هؤلاء -أي التيار العربي الإيراني- ملؤها لوحدهم، لأنهم لا يجدون آذانا صاغية لهم إلا عبر التيارات والشخصيات والنشطاء العروبيين المرتبطين في الساحة. على سبيل المثال إبراهيم عامري وهو من مؤسسي المركز الإسلامي أوائل الثورة 1979، والذي كان ندّاً للنشطاء القوميين واليسار الإيراني ككل، وله باع في التمهيد للإصلاحات القادمة من المركز، عبر الجلسات التي كان يقوم بها مع الشباب المثقف والنشطاء. ولأنه لا يؤمن أساسا بالعمل السياسي العربي إلا في مظلة الأحزاب الوطنية الإيرانية: “نحن كنا وحيدين في حزب الوفاق، ولكي نتخلص من هذه الوحدة علينا أن نعمل تحت ظل حزب وطني إيراني، لأن من شروط الحركة هي وجود الآخر، وإن لم يكن الآخر موجوداً فإننا وحيدون (18)”.
الهدف الأساس الذي كان ورائه عامري هو الوصول إلى المناصب الحكومية للعرب، والمنافسة الحزبية خاصة إبان الانتخابات مع المكونات الأخرى غير العربية في الأحواز (اللور)، واستغلال القوى الوطنية الأحوازية لهذه المآرب. عامري ورفاقه لهم خبرة في العمل السياسي، وكانوا يستلهمون أفكارهم من بناة الإصلاحات، ويركزون على مقولة “الثورة داخل الثورة”، فكانوا حقا موالين لرفاقهم في طهران حينما استطاعوا استغلال حركية الشارع وغليانه، وربطه ولو مؤقتا بسلسة متراصة، تربط الهويات والقوميات والحركات والأحزاب والطبقة الوسطى والمهتمين بالشأن العام في إطار الإصلاحات الآتية من فوق، أي من المركز واستراتيجية منظريها.
عبدالله سلامي، من التيار العربي الإيراني الذي كان من ضمن الذين يعملون لتمهيد مجيء الإصلاحات. لكنه بعد وأثناء عمل الوفاق لم يكن مؤمنا بالعمل ضمن مجموعات عربية تطالب بالحقوق التاريخية، إذ صرح أن “النشطاء العرب لا يستطيعون العمل بصورة مستقلة عن التيارات والأحزاب الوطنية الإيرانية، وعليهم الدخول في هذه الأحزاب أو فروعها بغية حصولهم على التجارب الحزبية. نستطيع في حال إيجاد ارتباط سياسي مع الإصلاحين غير العرب، أن نتمكن من إيداعهم الحق في الدفاع عن بعض من حقوقنا، لكي نبقى في مأمن من المخاطر التي تلحق بنا من قبل الجهات الأمنية (19)”.
أما الشخصيات الأخرى التي تمثل هذا الخط في العمل في الداخل كثيرة ومتنوعة، ويمكن حصر مطالبهم التي تتشابه، كالتالي:
⦁ العمل والمطالبة بمناصب كرئيس المحافظة، والقائمقامية، والبلديات.
⦁ العمل ضمن إطار المحافظة والارتباط بالتيارات الوطنية الايرانية.
⦁ توظيف الحراك القومي العروبي بغية تحويره ضمن المجال الإصلاحي للمكتسبات السياسية التي تسمى الضغط من الدرجات الدنيا والمطالبة السياسية والأمور الثقافية للعرب عبر هذا الضغط من المركز.
وللتأكيد على ضرورة الفصل بين هذا التيار الإيراني العربي، وبين الذين سنتحدث عنهم وهم التيارات والنشطاء العروبيين، لابد من فهم بنيتهم الفكرية وانتمائهم للجمهورية الإسلامية ولو بشقها الإصلاحي. فهم يكيفون عملهم ضمن إطار الشأن العام والمصلحة العامة الإيرانية، هؤلاء حتى ضمن الإصلاحات لا يعملون في إطار التغيير البنيوي الثقيل HEAVY STRUCTURE بل المناصب الإدارية التي يطالبون بها هي ضمن إصلاح البنى الخفيفة ولا يتجهون إلى نقد رأس النظام ولاية الفقيه، أو يطالبون بحقوق تاريخية قومية عربية.
تأكيدا على هذا الاتجاه يقول ابراهيم عامري: “أنا لا أعتقد بالعمل القومي، هذه النشاطات هي عمل ضمن جزيرة منفصلة عن الواقع، وتفكك المجتمع، وهي بعيدة عن المطالبات المدنية للمواطنين. فقط في ظل حزب سياسي مصرح وقانوني، والذي يتعدى القضايا القومية، يمكننا أن نعمل (20)”. أيضا له رؤية تحط من شأن العرب في العمل السياسي ويصفهم بالسطحية، ويشيد برفقيه كيانوش راد (كربلائي): “استطاع كربلائي أن يذهب بالعرب إلى م اوراء القضايا القومية لتحقيق مطالبهم كمواطنين، إنه بطل بالنسبة لنا (21)”. وهذه العقلانية التي يتحدث عنها عامري والتي تقربه من أعداء هذا الشعب هي نفسها التي تقرب بعض الأحوازيين من نوري زاده في الخارج مع وجود شوفينيته التي يجهر بها في كل لقاءاته.
هذه الفئة -عامري ورفاقه- حينما تريد البوح عن ذاتها أو تعريفها عن كينونتها أو معرفتها عن نفسها، فإنها لا تجد فوارق بينها وبين أي ايراني يؤمن بهذا “الوطن الإيراني”. لأن تعريف الذات يتشكل ويتكون كما يصفه حسين بشيرية “في مقابل الغير”، وهذا الغير عند هذه الفئة هي متصالحة معه شكلا ومضمونا، وإن اختلفت معه في التفاصيل (الفرس). هذه الجهة حاولت وتحاول تطبيق أقوال المنظرين الإيرانيين في إعادة بناء الهوية الوطنية الإيرانية الجامعة على “أرضية وإطار سياسي واحد، وخلفية تاريخية وثقافية، ولغة فارسية، مع وجود الخطوط المتكسرة والحساسة للهويات غير الفارسية، لضمان استمرار الهوية الوطنية الإيرانية (22)”.
لعبت الجماعات والشخصيات المذكورة أعلاه دورا بالغ التعقيد لجر النشطاء الأحوازيين إلى الساحة السياسية القادمة بالإصلاحات من المركز. لكن التيارات والشخصيات العروبية القومية لها قول آخر في هذا اللقاء، الذي لم يكن الأول من نوعه ولن يكن الآخر. التيار العروبي القومي الوطني في الأحواز بكل مكوناته، هو وريث الحركات الوطنية العريقة منذ انطلاقة ثورة الغلمان 1925، ومرورا بتشكيل اللجنة القومية العليا للقادة محي الدين آل ناصر والجبهة العربية لتحرير الأحواز، وعشرات من التنظيمات السرية والعلنية والحركات التي تلت مجزرة المحمرة.
كما أن قناعة الشعب العربي في الأحواز للاشتراك في ثورة 1979 وإسقاط الشاه، دليل دامغ على عدم دوغمائيته أو الجزمية لكل المشاركين فيها شعبا ونشطاء وسياسيين، حينما فرض عليهم الواقع التحرك نحو التغيير، هذا الواقع في زمن رئاسة خاتمي تكرر، حيث لبى الشعب نداء المشاركة فيه ليس بهدف إصلاح نظام الملالي، بل لكسب ما تمكن من حقوق تاريخية تنص عليها كل القوانين الدولية. فلابد من التركيز على الفصل بين النشطاء القوميين والتيار العربي الإيراني، لفهم التناقضات التي حصلت بينهم حينما دخلوا الحياة السياسية ولم يصبح الوفاق مرجعية للعرب لكي يدافع عن مطالبهم أو يمثلهم في الحياة السياسية في إيران.
فشل مشروع الإصلاحات:
هنا الإشكالية الأساسية التي بدأت منذ أن تشكل الوفاق، وهو النسخة العربية لجبهة المشاركة الإصلاحية. لأن الإصلاحات كانت تحمل حمولات فكرية وسياسية ترنو إلى إفراغ الحالة الثورية في إيران عموما، وبعد شرائحه عن الثورة والكفاح العنيف، ودخول كافة شرائحه في عملية ديمقراطية عقيمه، لتبدأ مرحلة البدايات الخاسرة التي لا تصل إلى النتائج المرجوة. كان الجواب من قادة الإصلاح أن أعلنوا فشلها الذريع بسبب الدولة العميقة صاحبة الفكر الإقصائي الديني الذي يرفض الآخر. سعيد حجاريان له قول شهير حينما أعلن عن موت الإصلاحات ونعاها معلنا نهاية هذا المشروع ووجوب الخوض في تجربة أخرى تختلف عن سابقتها.
لكن بعد يأس قادة الحراك الإصلاحي، أخذ الشارع زمام الأمور بيده، وتفجرت الاحتجاجات المليونية في المركز، والتي سميت بالحركة الخضراء، أو كما يصفها يوسف عزيزي أنها “ثورة المركز”، وهي ضرورة تاريخية يجب أن تنفجر بوجه نظام الملالي، لكن أخرته وعود الإصلاحيين بالتغيير التي لم يتحقق منها شيء.
أما الشعب العربي الأحوازي، فمنذ البداية، عرف قصة الإصلاحات وأنها لا تختلف بالمضمون عن بنية الدولة الإيرانية الشوفينية. فمنذ البداية استغل النشطاء هذا الفضاء النسبي الذي حصلوا عليه، وشكلوا المراكز والمؤسسات الثقافية الرامية إلى التوعية الشعبية بالقضايا المصيرية للشعب العربي. كما لا نستطيع بجرة قلم أن ننسف كلية العمل في الوفاق، الوفاق كما يقول عنها طالب المذخور كان “تجربة كسائر التجارب، لها من الإيجابيات ولها من السلبيات”.
لكن التوجه العام لأغلب النشطاء في الساحة كانت لخدمة قضيتهم، والتي تختلف عن قضايا السلطة الإيرانية الداخلية. فالنتيجة كانت لهذا الخطاب العربي الذي تلاقى مع الخطاب الإصلاحي، يتمثل في لحظة الوعي بالذات، وانتصار الخط العروبي، حينما انفجرت الانتفاضة عام 2005، وكانت حدا فاصلا في تعريف الأحوازي بهويته العربية وهمومه التاريخية. في المقابل، فإن الشعب العربي الأحوازي كان غير معنى بما حدث في الحركة الخضراء، ولم يشارك فيها، بل ولم يتعاطف مع العرب الذين قتلوا أو سجنوا في هذه المظاهرات، لأن الوعي في الأحواز عبر مرحلة التبني من قبل حزب أو جماعة تسعى لتكون مرجعية لهم (الوفاق).
الخاتمة:
بعد لقاء الإصلاحات مع مطالبات الشعب العربي الأحوازي، تبين أن الفارق كبير، والخطاب الذي يأتي من هذه السلطة القمعية هو بالضرورة لا يصب في صالح هذا الشعب. فبعد سقوط العمل السلمي في تلك المرحلة، جاءت العمليات العسكرية لكتائب محي الدين آل ناصر الجناح العسكري لحركة النضال العربي لتحرير الأحواز، لتعلن عن مشروعها التحرري الموجود في الساحة الأحوازية منذ عقود.
الضربات العسكرية كانت قاسية على الدولة الإيرانية بعد فشل المطالبين بالحقوق عبر العمل السلمي، الذي وصفه محمد شريف نواصري “بالعمل السلبي”. فقمة العمل والصرخة المدوية بوجه الظلم واستبداد الدولة التي أراد إصلاحيوها تغيير ديمغرافية الأحواز، تكملة لمشاريع الاستيطان المستمرة عبر العقود السابقة. هذه المشاريع فضحتها الوثيقة المسربة من مكتب خاتمي، صاحب الوعد “حوار الحضارات”، والتعددية في الحياة السياسية التي نصت على سياسات عنصرية تجاه الشعب العربي الأحوازي، ما أدى إلى انتفاضة عام 2005. ناهيك عن سلطة المتشددين من الحرس الثوري وقوات التعبئة والاستخبارات، والتي يعتبر سعيد حجاريان مهندس الإصلاحات هو من مؤسسي هذا الجهاز الأمني أوائل سيطرة نظام الملالي على الحكم.
هذه الصرخة أتت بعد أن تمت الانتفاضة عام 2005، ومفعولها الذي هو ليس مشروع ثورة حتى تستمر بطبيعة كل الانتفاضات. أما الحديث عن حظر الوفاق بسبب عسكرة الانتفاضة، حديث لا يمت إلى الواقع بصلة، لأننا قد بينا سابقا عمق التناقض بين التيارين العربي الإيراني والأحوازي في الوفاق. هذا هو السبب الأساس في نهايات الوفاق. كما أن الإصلاحات قد ضربت في الصميم من قبل المتشددين إبان رئاسة أحمدي نجاد في طهران فضلا عن المدن الأخرى.
وفي نهاية عمل الوفاق، رأينا كيف ورث الطيف الديمقراطي (آفاق)، الذي بقي مناصرا للإصلاحين في المركز عبر ملهمهم كربلائي. والذين لم يستطيعوا تحريك الشارع العربي الأحوازي أثناء الحركة الخضراء، ويستنتج من هذا أنهم ليسوا في واد يستطيعون من خلال عملهم أن يقوموا بنصرة الشعب العربي الأحوازي الذي يواجه الويلات من هذا النظام المجرم.
عادل عبد الرحيم
مركز مستقبل الشرق للدراسات والبحوث
المراجع
1) محمد محمود السيد، موقع الحوار المتمدن، مفهوم الاصلاح السياسي، 2011.
2) بايكاه اطلاعات علمى جهاد دانشكاهى، علل روى كار امدن خاتمي بر اساس نظريه توسعه نامتوازن (دلائل صعود خاتمي الى الرئاسة)، زيبا كلام صادق، افشارى داوود، اصلان زاده عبداله،1389.
3) المرجع السابق.
4)المرجع السابق.
5) باشكاه انديشه، عراقى غلامرضا، طبقه متوسط جديد تأثيرات ان بعد از انقلاب، 1389.
6) المرجع السابق.
7) علل روى كار امدن خاتمى نظريه توسعه نامتوازن، مرجع سابق.
8) موقع عبد الكريم سروش، دوم خرداد به ضرر كيان تمام شد (الثاتي من خرداد كان مضرا بمجلة وجلسة كيان)، www.drsoroush.com
9) ميزان خبر، شمس الواعظين، سروش مرشد حلقه كيان نبود (لم يكن سروش مرشدا لحلقتنا كيان)، mizankhabar.net.
10) باشكاه خبرنكاران جوان، خاتمى حلقه اتصال كيان وآيين ( خاتمي كان حلقة وصل بين كيان وآيين)، www.yjc.ir
11) بامداد انديشه، از انقلابات تا إصلاحات (من الثورات إلى الإصلاحات)، bamdadeandishe.blogsky.com.
12) المرجع السابق.
13) المرجع السابق.
14) حجاريان سعيد، زنده باد اصلاحات(تحيى الإصلاحات)، aryaport.blogsky.com
15) صفحة التواصل الاجتماعي، عبد الله محمود، سبب الدخول في الوفاق، 2016.
16) التيار الوطني العربي الديمقراطي في الأحواز، نواصري محمد، انتفاضة نيسان الأسباب التاريخية والبنيوية، 2014www.padmaz.org
17) الحوار المتمدن، مجدم كاظم، الجزء الاول من الحوار، http://m.ahewar.org/
18) شوشان، عامرى ابراهيم، فعاليت هاى جزيره اى سبب تفكيك جامعه ميشوند، 1393http://shooshan.ir
19) بروال، حيدرى على، تبار شناسى جريانهاى سياسى عرب در خوزستان، 1394، http://borwall.com/alahwaznews
20) شوشان، عامرى إبراهيم، مرجع سابق.
21) المرجع السابق.
22) مجله الكترونيكى، بشيرية حسين، زوال هویت سیاسی، غروب ایدئولوژی های هویت ساز، .http://vista.ir/articl