wrapper

أخبار عاجلة

شهيد اللغة...قصة حقيقية ...آمنة هاني

عند قرأتنا لقصة حزينة أو دراما نشاهدها من خلال فلم يحمل مشاهد مؤلمة ، ربما تشغل ذهننا لبضع دقائق بعد الانتهاء او ساعة بالكثير و لكن لو عرفنا أن تلك القصة حدثت بالفعل في عالمنا الحقيقي ، سوف تأخذ وقت أطول  او لم تنسى من الأساس و خاصة لو كنا نعيش معاناة ابطالها ، فهذا من الطبيعي جدا أن تشغل ساحة من ذاكرتنا الطويلة و بما أن هذه الذاكرة مليئة بالأحداث  فآن الأوان أن نخرج منها واحدة من تلك القصص و ذلك بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية .

اليكم القصة عن لسان الراوية التي عاشت أحداث القصة وكان ذلك قبل اكثر من 16 عام في احدى القرى التابعة للأحواز العاصمة :

كنت اعمل مربية لروضة أطفال في القرية و طبعاً هذه الروضة تابعة للنظام الفارسي و تعمل تحت نظام و قوانين تربوية فارسية بحتة حيث يمنع الأطفال من الحديث باللغة العربية أي لغتهم الأم و بما أن جميع سكان القرى الأحوازية يتكونون من الشعب العربي الأحوازي و تخلو من المستوطنين الفرس بشكل كامل  فيؤدي هذا الى عدم تعلم الأطفال للغة الفارسية مما يواجهون المأسي و المعاناة الحقيقية في هذه المرحلة المصيرية من حياتهم و هي بداية دخولهم الروضة ثم المدرسة .

كان يتكون الصف من 25 طفل في سن الرابعة الى الخامسة من البنين و البنات حيث لا يعلمون حرفا من اللغة الفارسية و منذ اول يوم دخولهم الروضة عليهم أن يتكلمونها و بدون مقدمات وتعاقب كل مربية إن تكلمت معهم بالعربية  مع العلم اني كنت المربية العربية الوحيدة في هذه الروضة والأخريات  هن 9 من الفارسيات المستوطنات .

كان الأطفال يتعلمون اللغة الفارسية بشكل خفيف و قليل بعد نهاية العام الدراسي وبما أن تختلف عندهم الاستعدادات و الذكاء و قوة الحافظة فهناك عدد منهم يتقنونها أفضل  من غيرهم و خاصة البنات ، لديهن مهاراة خاصة  لتعلم اللغة و كان معظم الاولاد يعانون عدة ضغوط لحين التعلم ، من ضمن هؤلاء الأولاد كان في صفي ولد اسمه حسين و يبدو انه صمم أن لا يتكلم الفارسية أبدا حيث جعل كل محاولاتي انا وأمة تواجه الفشل و بأي شكل من الأشكال لم يلين و لم يتغير و لايتكلم ابدا لا

العربية و لا الفارسية حيث شغل بالي امره كثيرا فحاولت أن لا اطلب منه الكلام ليرتاح باله و يطمئن قلبه بأني لا اريد أجبره  أن يتكلم الفارسية و لهذا كنت دائما اكلمه بالعربية و لكنه اتخذ الصمت و السكوت المطلق في الروضة و بعد مرور شهر مازال لا يتكلم  مما شعرت بالقلق و الخوف تجاهه و اطرحت على أمه المشكلة و اقترحت عليها أن تستشير طبيب نفساني لمعالجة الأمر فقالت لي : ان  ابنها يتكلم في البيت و مشاغب جدا و لا يعاني من أي مشكلة خاصة . ولكني لم اقتنع بكلامها لأني كنت أحس بما في يمر الطفل من ألم لأنه أختار الأنزواء من كل الأطفال و لا يلعب معهم و لم يصدر منه أي كلام  واختفت منه حتى ابتسامة الطفولة و لا أي حركة طفولية عادية ، و حين كانت أمه تأتي به من الثامنة صباحاً وتعود الثانية عشرة ظهراً لتأخذه كل يوم كنت أنبه عليها بان مشكلة ابنها باتت جدية واستشارة الطبيب النفساني ضرورية جداً ، الى أن قالت لي ذات مرة : يا سيدتي لا تؤلميني أكثر من هذا فأنا لدي ثلاث بنات مع ابني حسين و زوجي لايعمل ، فانه يخرج من البيت من الصباح الى المساء كل يوم ليبحث عن عمل هنا و هناك و يشقى كثيرا ليستطيع أن يوفّر لقمة العيش ، و انتي تعرفين مصاريف الأطباء المرتفعة فكيف لي أن أراجع الطبيب ؟ فقلت لها لا تقلقي سوف نحلّ هذه المشكلة .

المهم ذهبت به الى الطبيب و عادت في اليوم الثاني فقالت لي : ان الطبيب قال انه يعاني من ضغط شديد وربما مصاب برعب أو خوف فعليك أن تبحثي عن السبب في البيئة  التي من حوله ، أي البيت والعائلة .  فحسب تجربتي في عملي مع الأطفال قلت لها : إذن كان ظني بمحله في أن تقع المشكلة في بيئة الروضة ومن اليوم لا تأتين به الى هنا لأنه يخاف من التكلم باللغة الفارسية التي لايعرف عنها شيئاً و يخاف ايضا من استهزاء الأطفال له عند الكلام ، فقالت : لكنه يستيقظ  الصباح الباكر و يتشوق للذهاب الى الروضة و كلما منعته يبدأ بالبكاء واليوم أصرّ على الذهاب فأرجو ان تراعي حالته قليلا ربما تستحسن احواله ، لذا  تقبلت حضوره  في الصف مرة أخرى ، لكنه كان متشبثاً بي و لايتركني لحظة و برغم من سكوته الّا اني اكلمه بالعربية  و هو يفهمني و يسمع كلامي لكن دون أي ردّ منه و في يوم من الايام  رسم تلك الرسمة التي بقيت في ذهني الى هذا اليوم كما صورته هو ، و عندما سألته : ماذا رسمت يا حسين ؟  فلم انجح لسماع صوته الّا  ان معنى رسمته كانت واضحة بالنسبة لي و شاركتها في مهرجان الأطفال للرسم و كانت مورد للبحث و الدراسة عند الرؤساء المقيمين للمعرض حين أكدوا أن هذا الطفل يعاني من ضغوط  جادة و بما أنه يدرس في صفي فعلي متابعة الأمر ، دون أن يعلموا بالواقع المرير الذي يتعايش معه حين لم يتقبل الكلام بلغة أخرى غير لغة أمه . بعد مرور 3 شهور من حضوره في الروضة لم الاحظ أي تطورفي احواله  الّا كانت تزداد الأزمة سوءاً و يتهرب من كل من يتكلم الفارسية وخاصة المربيات الفارسيات و الأطفال ايضا ، كان يشعر بأنهم يريدون أن يأخذوا منه شيئا أوأن يجبرعلى القيام  بعمل خارج عن قوة و إرادته مما أثار عنده الخوف الشديد وبقي على هذا الحال الى أن أتى ذلك اليوم و لم يأتي حسين الى الروضة  و رأيت عدد من نساء القرية يقفن عند باب الروضة مع اطفالهن و لم أرى أم حسين معهن و من نظرتي اليهن شعرت بحدوث أمر غير طبيعي لذا تقربت منهن و رأيت إن واحدة منهن كانت تبكي فسالتها مسرعة لماذا تبكين ؟ ما الذي حدث لك ؟ قالت ليس لي ، إنما أبن جيراننا حسين قد توفى ! قلت : ماذا ؟ فبكت و بكن معها نساء القرية ، فسألتهما كيف حصل هذا و متى ؟ قالت : في صباح اليوم عندما ذهبت أمه الى فراشه لتصحّيه من النوم ، فلم  يتحرك ثم ذهبوا به الى المستشفى فقال لهم الطبيب أنه توفي إثر حملة قلبية !

بعد مرور كل هذه الأعوام لم أنسى ذلك الطفل البرئ الذي راح ضحية للغة الفارسية حين حمّلها عليه الاحتلال ، فلم يستجيب لها و لم يشاء أن يتعلمها لأنها ليست لغة أمه ، لذا فضّل أن يبقى صامتاً الى الأبد و لايتكلم  بلغة حملّت عليه فكان ثمن  رفضه لها حياته الذي لم يبلغ الخامسة بعد .

مع أسفنا الشديد ، نرى حالات عديدة من هذا القبيل و دون أن يتنبه اليها أحد من المعنيين بالامر لانها ليست مشكلة من الدرجة الاولى عند شعباً يواجه أشد و اكبر معاناة حياته و معيشته و تعتبر هذه الحادثة أمر خاص لايصيب بها كل الأطفال في الأحواز، و عندما يشنق و في العلن خيرة ابنائهم و هم في عز الشباب  و يصبح الامر عادياّ جداّ ، فمن المؤكد أن الحالات النفسية الخفية عند الأطفال تبات دون الاهتمام من قبل المجتمع و العالم الانساني و لهذا تبقى بعيدا عن انظار المنظمات الانسانية  ولكنها تبقى في ذاكرة و ضمير العالم الانساني دون شك  .

 

آمنة هاني  18-12-201

آخر تعديل على الجمعة, 19 كانون1/ديسمبر 2014