نبذة عن إنتفاضة العطش في الأحواز

أيلول/سبتمبر 04, 2021 77
ان الحراك الشعبي القائم الغير منقطع الذي انتج الإنتفاضة التموزية المباركة في الأراضي الأحوازية المحتلة ، كمرحلة نوعية أولى ، هو لم يكن وليد الصدفة ، بالرغم من أنه كان في الأصل عمل عفوي بإمتياز ، فإنه و بهذا الزخم الكبير و سرعة انتشاره في أغلبية المدن و البلدات و الأرياف و إلتحاق أبناء الشعب و الشعوب الأخرى به و بأعداد كبيرة في فترة قصيرة جدا ، خلال الأيام التي شهدت الإنتفاضة العطش ، فهو نتيجة تراكمات لعقود طوال من القهر ، التمييز ، الحرمان و القمع المتواصل من قبل السلطة الايرانية المحتلة ، التي لم تكن يوما تريد لهذا الشعب  و الشعوب الغير فارسية و حتى شعبها ، الخير مهما كان بصوره الشكلية ، و دأبت على تنفيذ سياساتها الإجرامية بحق الإنسانية عموما و بشكل خاص الشعب العربي الأحوازي ، عملت ساعية على طمس هويته العربية المتجذرة و محاربة ثقافته التاريخية بكل الطرق و الوسائل ، تنفيذ سياسة التفريس و محاولة محو ذاكرته من محتواها العربي ، صادرت أراضيه  بالتهديد و بقوة السلاح و الإجراءات الوحشية و طردته منها ، و جاءت بمشروع زراعة قصب السكر المدمر للبيئة و المخل بنظامها الطبيعي و الخطير و المضر على صحة الإنسان ، و بهذا حاولت منعه من ارتباطه بالأرض الى أقصى الحدود ، و بالتالي تجبره ان يسكن المدن أو في أطرافها و لتنقلب حياته رأسا على عقب ، هذه نماذج بسيطة من ممارسات السلطات الايرانية التي تتخذ تجاه العرب القاطنين في الأرياف و التي أغلبية أعمالهم تتلخص في مجال تربية المواشي و صيد الطيور و الأسماك و الزراعة ، منها القمح و الشعير و الأرز و إنتاج كافة أنواع الخضروات و البقوليات و التمور و ايضا الحمضيات ، و بالمقابل في المدن ، الحال لا يختلف كثيرا عن القرى ، مادام طبيعة السلطة على هذا النمط و مستمرة في تنفيذ سياساتها الإقصائية و القمعية ، بما أوتيت من قوة و متى ما سنحت لها الفرص بذلك . لكن الأخطر من كل هذا ، هو ما شاهدناه في العقد الأخير ، و ما برز جليا و بشكله الأشد فتكا ، هو وصول المخطط الإجرامي مع إجراء مراحله النهائية ، بعد ان انتهت أبعاده الأولية و ليصل الى نقطة النهاية و الذي بان للجميع و ذلك الإنقطاع التام للمياه عن الأنهار و الأهوار ، و جاءت النتيجة لتكن كارثية على كل الصعد و في كل مناحي الحياة و المرافق الحيوية و حصيلتها هي الأضرار الجسيمة على حياة الإنسان صحيا و نفسيا و ماديا ، و ذلك بعد تدمير البيئة و تعرضه و إصابته بأمراض متنوعة و غريبة في بعض الأحيان ، فكان تأثره المباشر بما حدث رهيب و غير قابل للوصف و فاق كل التصورات ، هذا و بغض النظر عن الخسائر المادية الفادحة و الكبيرة ، التي ليست باستطاعة المزارعين و الفلاحين و أصحاب المواشي ، تحملها و جبرانها بأي شكل من الأشكال ، ناهيك عن الأخطار المستمرة المحدقة بالثروة الحيوانية في القطر العربي المنكوب . بإختصار نستطيع القول و نذكّر ان الشعب العربي الأحوازي و خلال السنوات السادسة و التسعون سنة ، دفع ثمن حقيقة جذوره الأصلية و انتمائه الى أمته ، هذا من جانب و من جانب آخر وقوفه المستمر بوجه كل مخططات الأنظمة الايرانية المتتالية ، 
بأحقادها الدفينة و الضغائن التاريخية اتجاه الشعب العربي الكبير بشكل عام و القطر العربي الأحوازي بشكل خاص ، نظرا لموقعه الاستراتيجي و إطلالته الواسعة على الخليج العربي و حدوده التاريخية المشتركة مع دول الخليج العربي و العراق و ما يملكه من ثروات هائلة ، جعلت منه ساحة ضعيفة لتصفية الحسابات القديمة الحديثة مع أبناء الأمة ، دون استثناء ، بمعنى آخر صراع دامي بين من يريد ان يعيش بأمان و سلام و حرية و كرامة ، و بين من يريد ان يتعالى عليه و يمحو وجوده و ذاكرته و هويته و حضارته ، و هذا بعد إنكاره ، و ان يستولي على أراضيه و يحكم عليه كيفما يشاء و يسلب حريته و ينهب ثرواته و يدمر آثار حضارته العريقة و يعمل على إيجاد الخلل في نسيجه الاجتماعي و يزرع التفرقة و الكره و الطائفية المقيتة بين أبناء المجتمع الواحد و ليجعل منه كانتونات مشتتة و متشرذمة و متقاتلة بعضها مع بعض ، و بعد ذلك ليسهل على نفسه الأرضية المناسبة المخطط لها مسبقا ، لتنفيذ حلمه التاريخي و أوهامه المتعارف عليها . ان تفجر الإنتفاضة في أوقات عسيرة كالتي يمر بها الشعب الأحوازي و هذا الحصار الممتد منذ عقود و الذي أنهك أبنائه كثيرا ، بالإضافة الى القمع المتواصل و الجو البوليسي الحاكم ، كان نتيجة الوعي المتجذر و المتجدد لأبناء الأحواز الذي وصلوا اليه في مرحلة الهدوء النسبي المتقطع و العمل المستمر الذي ولد لديهم الآفاق الواسعة و كانت النتيجة هي القفزة النوعية لإدراك ما يدور حولهم و فهمه كما يجب ، و ما تفرضه الظروف الاستثنائية و إتخاذ طرق حديثة على ساحة الوطن و الخوض في دراسة أساليب متطورة مختلفة عن سابقاتها و كيفية ردع ما يحاك ضدهم أي ضد قضية شعبهم ، من أخطار تهدد كيانهم المستقل و لهذا ، كان عليهم من وضع خطط و خطوط عريضة ، للحيلولة من أي انتكاسة ، تعيق مسار مسيرتهم النضالية ، و التجارب تأتي و معها الكثير من دروس الموضوعية و العملية ، و حين تجتمع العفوية التي هي نتيجة الوعي كما يقال و الخبرة و المعرفة الميدانية ،
بالتالي لابد ان يشكلان أرضية واسعة و رؤى شاملة اتجاه كل جوانب الأمور ، ضمن اطار محكم و صلب و بقاعدته و حاضنته الشعبية الرصينة ، التي بمقدورها احتضان و كسب أبناء كل الأطياف الأحوازية ، و الوصول الى الوحدة دائما ، يتطلب الصبر و الإخلاص و بذل الجهود المضاعفة و المثابرة و العمل الدؤوب ، و هناك وطن عظيم يوسع الجميع و لا يميز بين أبنائه ، الا الذين انسلخوا عن أصلهم و تاريخهم و ترابهم و أبناء جلدتهم و بالتالي عن وطنهم و أصبحوا مثلهم مثل الغرباء الدخلاء عليه ،يجرون معهم أذيال الخزي و الخيبة و الهزيمة . ان كثيرين من يتسائلوا لما الإنتفاضة لم تستمر و لماذا توقفت الآن و هل قتل المتظاهرين و المحتجين و القمع الوحشي و موجة الاعتقالات الواسعة ، هي من كانت السبب وراء ذلك ، و هل فتحت السدود و النظام لبى مطالب الشعب و معه الشعوب الأخرى ، و رجعت الأمور على طبيعتها الاعتيادية و هناك أسئلة أخرى مشابهة من الطبيعي طرحها ، لكن اذا تأملنا قليلا و نظرنا الى ثورات الشعوب عبر التاريخ ، لتذكرنا ان لكل حراك شعبي كيفما كان ، دلائله و حجمه و آثاره على المداءات القريبة و البعيدة و من غير الممكن ان يحدث و صداه لم يصل الى مسافات كبيرة و لم يترك دروسه القوية لفترة طويلة من الزمن ، كما هو الحال ، ما حدث في جغرافية الأحواز و انتشاره السريع في المناطق الأخرى في أراضي الشعوب الغير فارسية و حتى في المدن المركزية لايران . عدم التجاوب المطلوب ، مع الإنتفاضة الأحوازية ، ولو بشكله النسبي المرحلي من قبل المعارضة الايرانية بكل تياراتها و أطرافها ، تمهيدا للخطوات الأخرى ، الا تلك الوقفات الشعبية التي اختصرت على مجموعات صغيرة و أفراد ، كل على
حدى ، و التي عبرت عن تعاطفها مع أبناء الأحواز ، بينما رأينا و بقوة مشهودة ، وقوف و مناصرة و قيام أبناء الشعب التركي في آذربايجان الجنوبية المحتلة ، و ايضا حراك و وقفة و مساندة أبناء الشعب البختياري ، للمنتفضين في الأحواز ، و لسوف يسجل لهما التاريخ هذا الشرف العظيم في صفحاته الناصعة . بالحديث عن عدم التحرك و المؤازرة من قبل المعارضة الايرانية ، فإنه له أسبابه و علله الواضحة و لا نريد هنا ان نتطرق اليها ، و هذا يحتاج الى الكثير من الشرح و تبيان الأمور و مداخلها ، و بالرغم من هذا ، نقول و بصراحة ، إنهم أحرار و سيبقون أحرار في ما يتخذون من قرارات و مواقف معينة حسب رؤيتهم ، تجاه الكثير من القضايا ، و لكن من باب التذكير و التنبيه ، 
و كما يقال ، ان الفرص التاريخية لم تأتي دائما حسب الأهواء و ما تشتهيه السفن ، و ان أمانة الشعوب في الأعناق ، مسؤولية كبيرة و تاريخية و تحتم على الجميع أو أصحابها ، ان يأخذوها بجد و التزام كبيرين .
بالنظر لكل ما حدثت من أخطاء و سهوات أثناء الإنتفاضة التموزية ، نتيجة عدة عوامل متداخلة ، و القمع الوحشي من قبل الأجهزة الأمنية للنظام الايراني بشتى مراكزها و فروعها ، و صيتها الذي انتشر في كل أرجاء الأرض و مساندة بعض الإعلام العربي و الأجنبي و قنواته و صحفه و مواقعه الأخبارية و الوقفة المشرفة للكثير من المثقفين العرب و الكتاب و الأدباء و المحللين و الاتحادات و الجمعيات و المؤسسات العربية و أبناء الشعب العربي في كل مكان و متابعتهم اليومية آنذاك ، لمجريات الإنتفاضة ، و معهم أبناء الشعوب الغير فارسية و الأحرار في ايران ، و التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء الأحواز الغيارى و مشاركتهم الواسعة في الإنتفاضة ، و توقف الإنتفاضة المؤقت ، الا ان شعلة الثورة الأحوازية تبقى متوقدة 
رغم كل ما تواجه من صعوبات و العراقيل ، مادام
أبناء الأحواز العربي مؤمنين بقضيتهم و يحملون الايمان الراسخ بحرية و كرامة الإنسان و حقوقه و وجوده ، اينما كان .