كيف تحولت الانتفاضة إلى ثورة في إيران؟

تشرين1/أكتوير 11, 2022 88

يتعين نجاح الثورة أية ثورة، بدلالة استمرارها واتساع رقعتها، وتعبيرها عن معظم المجتمع، وكذلك قوتها الشعبية السلمية، وهو ما يبدو أنه بات متحققًا في واقع الانتفاض الشعبي الكبير لدى الشعوب والقوميات في جغرافية إيران السياسية، حيث بدأت احتجاجات وانتفاضات صغيرة ومحصورة ضمن إثنيات بعينها، لكنها اليوم وبعد مضي ما يزيد على عشرين يومًا من انطلاقها، تبين أنها تتحول إلى ثورة شعبية كبرى وعارمة، تزلزل أركان وبنية الدولة الأمنية الإيرانية ذات الطابع الأوليغارشي الذي حكم إيران وكل القوميات داخلها بالحديد والنار والهيمنة وكم الأفواه، منذ ما ينوف عن أربعين عامًا، أي منذ انتصرت (ثورة الخميني) على الشاه في عام 1979، والتي شارك في تلك الثورة في حينها ليس الفرس فحسب، بل جلّ الإثنيات والشعوب المنضوية تحت أسوار جغرافية إيران السياسية.

لا شك أن الشرارة التي بدأتها انتفاضة إيران كانت كردة فعل طبيعية على مقتل مهسا أميني الكردية نتيجة ما فعلته بها الشرطة الأخلاقية التابعة للحرس الثوري الإيراني الذي هو ذراع القمع والهيمنة المرتبط مباشرة بولاية الفقيه ودولة الملالي، لكن لم تكن هذه الانتفاضة التي تتحول اليوم إلى ثورة شاملة، كردة فعل لحظية فقط، بل كانت تعتمل في صدور الإيرانيين كثير من الممارسات القمعية المانعة للحرية واللاجمة للحريات العامة، ومن ثم فهي ثورة حرية وليست ثورة حجاب أو ضد الحجاب، إنها التعبير الأمثل عن كل حالة الرفض للسياسات الأمنية والاقتصادية والحياتية التي تمارسها سلطات الملالي ضد الناس كل الناس، وفق منطق السيطرة والتبعية، من دون إفساح المجال لأي دور جدي للمجتمع المدني أو تجلياته بالظهور والحركة، وهذه الانتفاضة التي أضحت ثورة بحق، استنادًا إلى أن الانتفاضة أصبحت في كل مكان، وهي تحمل كل مقومات المشروعية والعدالة، إذا ما استمرت وراحت تتسع أكثر وأكثر، وشملت كل القطاعات الشعبية المدنية، وقد يكون العسكرية أيضًا، ولعل ما بات مطلبًا شعبيًا كبيرًا هو الوصول إلى توافقات جبهوية حزبية للقوى الفاعلة والمعارضة في كل الساحات والقوميات من عرب وكورد وأذريين وبلوش وتركمان وكذلك فرس، هو ما سيكون القادر على لم الشمل وتوحيد القوى لتمسك بحالة تنسيق كبرى تدفع نحو مزيد من الاتساع والتخطيط للاستمرار، وهو ما لم يتحقق حتى الآن بعد نتيجة الخلافات الكبيرة بين هذه القوى التي لم تستطع أن تتوحد أو تنسّق فيما بينها بشكل حقيقي، علمًا بأن الثورة الشعبية الإيرانية سبقت كل هذه القوى وحققت الحالة الجماهيرية المقدامة ووسمت الثورة بأنها شبابية ونسائية، وهو ما يجعلها أكثر قوة وقدرة على الاستمرار.

ويبدو أن من المحددات التي ستدفع بالتصعيد والاستمرارية وعدم الرجوع إلى الوراء وبالضرورة إنجاز ما هو متقدم على كل القوى والأحزاب في المعارضة ضمن جغرافية إيران هو الآتي:

_ فقد  أصبحت الثورة الشعبية في إيران عابرة للقوميات ولم تبق محصورة ضمن أثنية بعينها أو قومية أو محافظة، بل امتدت إلى معظم القوميات، وهي بذلك تختلف وتتمايز عن كل الانتفاضات الأخرى التي سبقتها خلال العقدين الأخيرين، إذ كانت انتفاضات عربية محصورة في الأحواز فقط ، أو لدى البلوش، أو لدى الأذريين، أو في محافظات الكورد، وهكذا انتهت وأجهضت ولم تستطع أن تبقى وتتمدد أو تستمر، لتشكل خطرًا على واقع السلطات الحاكمة في طهران. لكنها اليوم أضحت ممتدة وشاملة لكل القوميات، وليس فقط في محافظة (مهسا) الكوردية.

  • كما امتدت هذه الثورة إلى معظم الجامعات في إيران، ووجدنا كيف تنتفض كتلٌ كبرى من الطلاب والطالبات، وندرك جيدًا الدور الذي يمكن أن يؤديه طلاب الجامعات وهم الذين من الممكن أن يغيروا دولاً وحكومات إذا ما عرفوا كيف يتواصلون ويستمرون، ويعبرون عن الشارع المكبوت والمقموع، والطلاب عادة ما يحملون في جوّانيتهم اعتمالات الثورة الدائمة على كل شيء، ولا يقبلون بهيمنة ما من أي جهة كانت حتى لو كانت دينية.
  • لقد وصلت عدوى الثورة إلى حصول انشقاقات في العسكر وقد شهدنا بداياتها، وهي إذا ما توسّعت فستكون مهددة للكيان القائم على أساسيات العسكرة وضبط الناس أمنيًا بما يعطيه من إمكانات قمعية لدى الباسيج/ الحرس الثوري، وهناك من يتحدث عن أن هذه الانشقاقات العسكرية فيما لو تتابعت ستشكل خطرًا ليس على النظام فحسب، بل أيضًا على الثورة الشعبية السلمية التي سيعرف نظام الباسيج كيف يتعامل معها بشكل أكثر عنفًا ودموية، وهو ما حصل مع ثورة الشعب السوري، وكان بنصيحة إيرانية من قبل قاسم سليماني.
  • كذلك فإن التعويل أكثر سيكون على وعي ذلك الفرق بين الأدوات القمعية الأمنية لدى الحرس الثوري، وتلك التي تنتمي إلى جهاز الشرطة المدني وهؤلاء هم مدنيون ينتمون إلى الناس وهم موظفون ليس أكثر، من الممكن أن لا يستخدموا العنف المفرط كما يفعل الباسيج المنتمي إلى ولاية الفقيه ودولة الملالي، فهناك فرق كبير بين الشرطة المدنية والحرس الثوري / الباسيج.
  • أمّا دور الشباب الواضح والمتصاعد والذي يأخذ حالة صدامية أكثر حدة، وهو ما سيعول عليه كثيرًا كوقود دائم ومستمر للثورة، وأي ثورة بلا شباب وبلا دور فاعل للطاقات الشابة لن يُكتب لها النجاح، من هنا فإن الإمساك بدور الشباب والعمل عليه وتشجيعه من الممكن أن يدفع باتجاه اللاعودة وتحقيق الانتصارات السلمية الشعبية، حتى لو ارتفعت أعداد الضحايا بين المدنيين كما يفعل الحرس الثوري قمعًا وقتلًا واعتقالاً للشباب الثائرين في الأحواز العربي، وفي محافظات البلوش حيث قتل منهم في يوم واحد ما ينوف عن أربعين مدنيًا.

- المرأة الإيرانية من الواضح أنها صاحبة الفضل والأسبقيّة في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه باقي فئات المجتمع في إيران، فكانت مقدَّمة في التصدّي لهيمنات الباسيج وقوانينه المرفوضة شعبيًا والتي تحدّ من حرية المرأة والمجتمع الإيراني برمّته، وتمظهرت حركة المرأة وقوّتها الشعبية رفضًا لكل سمات وتجليات العنف الإيراني الباسيجي. فدور المرأة مهم وجاد وسيخلق ثورة بنيوية داخل مفاصل المجتمع الإيراني بكليته.

ويبقى السؤال: هل هي بداية الانزلاق؟ وهل يمكن أن نشهد مع تصاعد هذه الثورة حالة من تفكك لدولة الملالي؟ وكيف سينعكس ذلك على الأدوار التي تلعبها إيران خارج حدودها، كتصدير لثورة الخميني وأفكاره، وفي الجوار العربي من العراق إلى سوريا إلى اليمن، إلى لبنان، وحتى دول الخليج وشمال أفريقيا؟ أسئلة كثيرة ما برحت برسم المستقبل والتغيرات الدراماتيكية التي يمكن أن تحصل داخل أتون مفاصل الواقع الإيراني، والتي يبدو أنها ستغير الكثير في منتجات الدور الإيراني في المنطقة برمتها، وسط متابعة ومراقبة أميركية غربية، لا يظهر أنها تعول الكثير على ضرورة إحداث تغيير ما في إيران قد يحدّ أو يحجم دورها ويلجمه على أن يكون (فزاعة) لدول الجوار كما تريدها الولايات المتحدة الأميركية أن تبقى.

أحمد مظهر سعدو

كاتب وصحفي سوري

المصدر

(موقع تلفزيون سوريا)