هل اقترب نظام الملالي في طهران من نهايته؟ أ.د. مؤيد المحمودي

كانون2/يناير 16, 2023 18
اعتادت السياسة البرغماتية الأمريكية أن تتخلى عن أنظمتها الحليفة واحدا تلو الأخر كلما وجدت أن النظام الحليف لها قد حقق الأهداف المطلوبة وفقد ثقله الشعبي في الداخل، بحيث أصبحت مبررات استمراره في السلطة لا تخدم مصالحها الاستراتيجية. وعليه فهي لا تمانع في تقبل فكرة تغيير هذا النظام بأخر بديل حتى وان كانت على خلاف سياسي معه، لكيلا يبقى النظام المستنزف والمنتهية صلاحيته عالة عليها. وهذه السياسة الأمريكية طبقت عمليا عام 1973 عندما تخلت عن حليفتها فيتنام الجنوبية لصالح فيتنام الشمالية ذات الأفكار الشيوعية. وكذلك عام 2021 عندما تخلت عن حكومة أفغانستان لصالح نظام طالبان الإسلامي المتشدد. وفي نفس السياق تخلت أمريكا عام 1979 عن نظام حليفها الشاه الذي عصفت به الاضطرابات الشعبية لتأتي بنظام خميني الدجال كي يؤدي نفس دور البعبع. الذي يقوم بتهديد أمن المنطقة عن طريق تصدير الثورة الاسلامية اليها فتضطر هذه الدول الى طلب الحماية الأمريكية للحد من التغلغل الفارسي في شؤونها. بل عمدت أمريكا الغاشمة الى أكثر من ذلك عندما مهدت للنظام الايراني في فرض سيطرته على كافة شؤون العراق بعد انسحابها منه عام 2011، رغم معرفتها الجيدة بطبيعة العداء الايراني المتأصل لأرض الرافدين.
 
اليوم أصبح نظام الملالي ممقوتا من قبل الشعب الايراني وتعصف به انتفاضة شعبية كبرى مستمرة لمدة أربعة شهور دون أية بوادر تلوح في الافق للسيطرة عليها. وهذه الحالة المقلقة جعلت النظام الايراني يتخبط في اتخاذ قرارات هستيرية، تارة بتنفيذ اعدامات علنية للانتقام من المتظاهرين وتارة أخرى بتوجيه أصابع الاتهام الى دول أجنبية في تقديم الدعم لهذه الانتفاضة.  وكرد فعل لهذه التهيؤات المريضة، قام نظام الملالي بعدة محاولات حمقاء لتنفيذ أعمال ارهابية فاشلة في كل من أمريكا وانكلترا وألمانيا. وهذا السلوك الأحمق لنظام الملالي بالإضافة الى تعامله الهمجي مع المتظاهرين السلميين وتعنت موقفه التفاوضي، كلها جعلت أمريكا تتخلى عه وترفض منحه طوق النجاة الذي يسعى اليه من خلال احياء الاتفاق النووي. اذ اعتبرت الحكومة الأمريكية أن الدخول في مفاوضات مع إيران حول هذا الموضوع ليس من أولوياتها في الوقت الحاضر. كما اتبعت معظم الدول الأوروبية نفس خطوات الحكومة الأمريكية في استهجانها للطريقة الهمجية التي تتعامل بها إيران مع المتظاهرين السلميين.
 
 وفي هذا الصدد، أشار البرلمان الاوروبي مؤخرا الى ضرورة التخلص من النظام الايراني كي لا يحصل على أسلحة نووية، وأكدت رئيسة البرلمان بأنه لا يمكن السكوت بعد الأن على حملة الاعدامات التي يقوم بها هذا النظام الهمجي.
 
 
 
أما داخليا فيزداد نزيف النظام كل يوم، وتكثر التصدعات فيه مع استمرار الانتفاضة، مما يعزز القناعة باستحالة عودة الاوضاع الى ما كانت عليه قبل بدا الحراك الشعبي، حسب تأكيدات أباتري مستشار الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي. كما انتقد رئيس مجلس الشورى الايراني النظام الحاكم وطالب بإجراء اصلاحات في البلاد. كذلك صرح محسن رفسنجاني ابن هاشمي رفسنجاني أن "الاجماع الدولي ضد إيران غير مسبوق والعقوبات أضعفت البلاد". وهذا الوضع الشاذ الذي جعل النظام الايراني منبوذا داخليا ودوليا، يصاحبه أوضاع اقتصادية صعبة جدا تخنق البلاد بسبب الحصار الاقتصادي الذي أوصل العملة الايرانية الى أسوء حالاتها.  وسوف تزداد الأمور الاقتصادية في إيران سوءا مع تشديد الاجراءات الأمريكية الأخيرة التي تهدف الى منع تسريب الدولار من العراق الى إيران.
 
 
 
وهكذا أخذت الدوائر تضيق شيئا فشيئا على نظام الملالي، مما دفع مجلة الإيكونيميست البريطانية الى الاعتقاد بأن " هذا النظام وصل الى نهايته.  وأن الثورة الايرانية لن تتوقف وستتصاعد وتأخذ أطر أخرى والأجهزة القمعية الايرانية بدأت تفقد السيطرة على الشارع الايراني. وسوف تأتي المعارضة من الخارج كما جاء خميني الى الحكم وسوف يقف معها الشعب وهو لن يتسامح مع مؤيدي النظام وسوف تعاقب المنظومة الحالية من قبل محاكم خاصة. وسوف تتسارع هذه الأحداث في إيران ويتم التغيير في النظام بموعد أقصاه شهر أذار من هذا العام 2023". من جانبها توقعت مجلة الفورن بولسي الأمريكية " أن أوروبا سوف تتخلى عن النظام الايراني الحالي وتفرض عقوبات قاسية عليه ضمن قرارات من مجلس الأمن. وإن تلك المتغيرات سوف تحدث في الثلاثة شهور القادمة. أما بالنسبة للمشروع النووي الايراني فانه لن يتم التفاوض عليه حاليا وملفه سوف يعرض على مجلس الأمن. بسبب تعنت إيران في هذا الموضوع وتعاملها التعسفي مع المتظاهرين الايرانيين فضلا عن مساعدة روسيا في الحرب مع أوكرانيا عن طريق تزويدها بالطائرات المسيرة ".
وتأكيدا على هذه التوقعات يقول الكاتب والخبير في الشأن الايراني عبد الرحمن کورکی " ان قادة النظام الايراني ادعوا مرارا وتكرارا أنهم قد أنهوا الانتفاضة! فيما استمرت الانتفاضة وستستمر دون توقف حتى إسقاط الدكتاتورية، ويخبرنا النهج العلمي والمنطقي لمسار انتفاضة الشعب أن الإطاحة بالدكتاتورية الدينية قريبة بل هي أكثر قربا ".
 
ورغم اتفاق هذه المصادر الاعلامية المتعددة على قرب سقوط النظام الايراني، الا أن الصورة لم تتضح بعد عن الألية التي يمكن أن يتم فيها هذا السقوط. لكن أحد السيناريوهات المطروحة في الوقت الحاضر هو ازدياد تفكك النظام وتمكن الانتفاضة الايرانية الشعبية من اسقاطه داخليا مثلما حصل مع الشاه سابقا. خاصة وأن هذه الانتفاضة دخلت مرحلة الكفاح المسلح بعد أن رفعت مؤخرا شعار "النار بالنار". والسيناريو المفترض الأخر هو تعرض النظام الايراني الى سلسلة ضربات قاصمة تشمل أهدافا نووية وبنى تحتية تشترك فيها صنوف قتالية جوية وبحرية وربما برية. على أن يسبقها ضربات سيبرانية متعددة لتحييد الأنظمة الدفاعية والصاروخية والمسيرات الايرانية.  ومن غير الواضح لحد الأن إذا كانت هذه العمليات القتالية منوطة بدولة واحدة أو تشترك فيها عدة دول عبر تحالف دولي. وإذا ما حصل هذا السقوط المدوي لنظام الملالي، فانه حتما سوف يجر معه إلى الهاوية أتباعه من الذيول في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
المصدر الكرامة نيوز 5