مشروع قصب السكر في الأحواز وتبعاته المتشعبة

أيلول/سبتمبر 18, 2022 45

مدخل

يُصنف الاقتصاد الإيراني على أنه اقتصاد ريعي، تتحكم فيه دولة ريعية، أهم صفاتها (الدولة الريعية) هي الحصول على معظم أو جميع عوائدها من الموارد الطبيعية، أو حصولها من المصادر الجاهزة دوما، أي من تلك المصادر التي لا تكون نتيجة استثمارات طبيعية، وتطور يتبع المنطق الاقتصادي السليم[1].

ولقد عثرت «الدولة الإيرانية» على هذه المصادر المدرة بالريع في الأحواز التي تقع في الجنوب الغربي من حدودها الرسمية، وتتصل بالخليج العربي عبر شط العرب، وتجاور البصرة وميسان في الجنوب العراقي. وتفيض هذه المنطقة بمختلف الموارد الطبيعية المختلفة من آبار نفطية، ومعادن الصلب، وثروة سمكية وزراعية هائلة إلخ، جعل الحكومة الإيرانية تصرح في احصائياتها الرسمية على استناد اقتصادها الريعي بنسبة 85 عليها. ويظهر على تتبع سياسات الحكومات الإيرانية المتعاقبة حيال طريقة استغلالها للموارد والثروات الواقعة في الأحواز أن طريقتها استعمارية، تجهز بها على المورد المقصود فتستغله سوء الاستغلال، غير آبهة بالتبعات الطويلة الأمد التي ستخلفه طرق استغلالها هذه: فهذه شركات النفط، على سبيل المثال لا الحصر، تتسبب لسوء إدارتها بانتشار140 مليون قدم مكعب من الغازات السامة في هذه المنطقة، بينما تَسبب إهمالها في إحدى مشاريعها بتسرب النفط إلى 15 ألف هكتار من الأراضي القريبة منها في منطقة القيزانية، بالإضافة إلى التلوث الذي تسببه شركة صناعة البتروكيماويات إلخ. وبالإضافة إلى ذلك فهذه شركة صناعة الصلب، هي الأخرى، تترك أطنانا من ملوثاتها، لعدم تخصيص أماكن محددة لمعالجتها. ونظير هذه السياسات تظهر جليا بأن عقلية الإيراني الجائي للأحواز تشابه كثيرا عقلية المستعمرين الذين استحوذوا على ثروات المناطق المستعمرة لا بغرض استعمارها حرفيا بل نهبها قبيل مغادرتهم لها. وهذا ما جعل رئيس منظمة الحفاظ على البيئة في «خوزستان» يصنف شركات النفط كأكبر الجهات الملوثة للأحواز[2].

وعلى العموم تتوخى هذه الدراسة التطرق إلى أحد استثمارات الحكومة الإيرانية في هذه الموارد الطبيعية، وبيان أبرز تبعاته البيئية الصحية، والاستيطانية، والسياسية إلخ… ونقصد بذلك مشروع شركة قصب السكر. ففي البداية يتم شرح واقع هذه الشركة وحجمها وتطورها التاريخي، ومن ثَمّ بيان أبرز تبعات نشاطها على مختلف المستويات.

 شركة تنمية قصب السكر ومنتجاته[3]

لقد كانت أولى المساعي لتطوير زراعة قصب السكر في الأحواز تعود إلى العقد 1930م أي إلى ما بعد استيلاء رضا خان عليها مباشرة. حيث تم في هذا العقد إنشاء شركة قصب السكر في مدينة تل السباع[4]. وبتأثير من ظروف الحرب العالمية الأخرى وخلع الملك الإيراني، ثم ما لحقها من تحولات انتهت بثورة 1979 تباطأ هذا المشروع؛ إلى أن جاءت إدارة رفسنجاني فأقدمت على عدة خطوات لإنعاش اقتصادها المنهار بتأثير الحرب ضد العراق؛ لتقوم في التسعينيات بإنشاء شركة قصب السكر في الأحواز العاصمة، بمباركة من البرلمان الإيراني الذي صادق في العام 1990 على تدشين هذه الشركة على طول الأراضي الواقعة على حزام هذه المدينة. والملاحظ هو أن معظم الخطوات الاقتصادية الإيرانية، عقيب انتهاء الحرب، كانت تتم في هذه المنطقة الزاخرة بالنفط، وبالغاز، والأنهر الكبيرة، ومختلف المعادن الطبيعية إلخ.

لقد كان مشروع إنشاء شركة قصب السكر من بين أكبر المشاريع الاقتصادية في هذه المنطقة: فبمجرد بدء العمل استحوذت هذه الشركة على أراض شاسعة في شمال الأحواز وجنوبها، تتراوح ما بين 100 إلى 140 ألف هكتار (حسب ما جاء في موقع تابناك).

انظر الى ارابط التالي: تابناك. (19 اغسطس، 2018). تشنگی خوزستان و بلعیده شدن آب کارون توسط صنعت نیشکر. الرابط: shorturl.at/hpR89

 

ويتوزع نشاطها على سبع شركات فرعية تتبع شركة الأم وفق الجدول أدناه:

الشركات التابعة لـ: شركة تنمية قصب السكر ومنتجاته

 

 

1.شركة إمام خميني للزراعة والصناعة

  • حجم الأراضي المزروعة (هكتار) : 15300
  • موقع النشاط: الشعيبية- تُستر
  • عدد الموظفين: غير معروف
  • إجمالي الإنتاج (طن سكر): 130300
  • المدير العام: محمدرضا عصاره نجاد

 2.شركة أمير كبير للزراعة والصناعة

  • حجم الأراضي المزروعة (هكتار): 15000
  • موقع النشاط: الأحواز-المحمرة
  • عدد الموظفين: 4000
  • إجمالي الإنتاج (طن سكر): 275000
  • المدير العام: منصور همدان نجاد
  • 3. شركة دعبل الخزاعي لزراعة وصناعة قصب السكر

 

  • حجم الأراضي المزروعة (هكتار): 12000
  • موقع النشاط: الأحواز-عبادان
  • عدد الموظفين: غير معلوم
  • إجمالي الإنتاج (طن سكر): 275000
  • المدير العام: علي رضا دورباشي زاده

4.شركة ميرزا كوجك خان للزراعة والصناعة

  • حجم الأراضي المزروعة (هكتار): 14000
  • موقع النشاط: الأحواز-المحمرة
  • عدد الموظفين: غير معلوم
  • إجمالي الإنتاج (طن سكر): 100000
  •  المدير العام: سيدحسن موسوي

 5.شركة دهخدا للزراعة والصناعة

  • حجم الأراضي المزروعة (هكتار): 11369
  • موقع النشاط: الأحواز-الدغاغلة
  • عدد الموظفين: غير معلوم
  • إجمالي الإنتاج (طن سكر): 275000
  • المدير العام: تورج بهادري

6.شركة سلمان الفارسي لزراعة وصناعة قصب السكر

  • حجم الأراضي المزروعة (هكتار): 14000
  • موقع النشاط: الأحواز-عبادان
  • عدد الموظفين: غير معلوم
  • إجمالي الإنتاج (طن سكر): 200000
  • المدير العام: نصيريان

 

7.شركة الحكیم الفارابي للزراعة والصناعة

  • حجم الأراضي المزروعة (هكتار): 15000
  • موقع النشاط: الأحواز-عبادان
  • عدد الموظفين: غير معلوم
  • إجمالي الإنتاج (طن سكر): 275000
  • المدير العام: جمال سعودي

https://secureservercdn.net/

الملاحظة الأولى: هي أن  جميع الأراضي المستغلة من جانب هذه الشركات تقع على محاذاة نهر كارون، وعلى مقربة منه. وهذا أمر ضروري لزراعة الأراضي المخصصة لهذا المشروع أساسا. ذلك أن الكثير من هذه الأراضي لم تكن مخصصة من قبل، من جانب أهالي هذه المنطقة، لزرع قصب السكر، بل كان استخدامها مخصص لزراعة الرز أو منتوجات أخرى، أو أنها لم تكن صالحة الاستخدام أصلا. ولاستغلال هذه الأراضي بغرض زراعة قصب السكر تبعات بيئية كبيرة سنتطرق لها في موضعه. هذا وقد صرحت شبكة بي بي سي الناطقة بالفارسية بأن الشركة هذه تستحوذ لوحدها على 41 بالمئة من مجموع الأراضي الزراعية في الأحواز؛ بينما تشير المشاهدات اليومية لأهالي هذه المنطقة إلى نسبة تفوق الـ65 بالمئة.

الملاحظة الثانية: هي أن عمل هذه الشركات لا ينحصر في إنتاج السكر فحسب، بل إنها تعمل في مجالات أخرى، بطبيعة الحال، كإنتاج الكحول والورق وميرة الحيونات إلخ. كما تعمل بعض هذه الشركات على زراعة الرز. ويعني هذا الأمر أن الشركة هذه جعلت الشأن الزراعي شأنا حكوميا، أو حكرا بيدها، نظرا لقوة إمكانياتها، وبذلك زاحمت باقي المزارعين من أهالي هذه المنطقة القدماء.

الملاحظة الثالثة: وهي الأخطر تظهر على تطويق الأحواز من جميع الجهات، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، أي في الأحواز العاصمة والسوس وتستر والفلاحية والمحمرة وعبادان، تطويقها بمزارع قصب السكر، حيث لم تترك الشركة هذه أراض زراعية كبيرة إلا استحوذت عليها. وهذا يظهر من حجم الأراضي الزراعية التي بحوزة الشركة حسب ما تشير في موقعها الرسمي. ويعني هذا بصريح العبارة أن الأحوال العامة في مدينة الأحواز، الأحوال البيئية والجوية والمياه إلخ، كلها أصبحت رهينة بعمل ونشاط الشركة هذه.

طريقة استغلال الأراضي الزراعية والتبعات المتعددة

بعد التطرق السريع لمناطق نشاط هذه الشركة، وحجم الأراضي التي تستحوذ عليها، ومعرفة الشركات التابعة لها، فإن أول ما يجب التصريح به هو أن هذا الحجم الكبير من الأراضي المخصصة لزرع قصب السكر، لم تكن على حالة واحدة من حيث الخصوبة؛ بل إن حجما كبيرا منها لم يكن قابلا للزراعة يعاني من ملوحة التربة وتكدس الأملاح فيها لمئات السنين، ويشير موقع هذه الشركة إلى أن 90 بالمئة من هذه الأراضي لم تكن صالحة للزراعة. ولمعالجة هذا الأمر عمدت الشركة الأم، بأذرعها السباعية التي تحوط بالأحواز من جميع جهاته، عمدت إلى استغلال مياه نهر كارون لإزالة الملح من الأراضي هذه، حيث قامت بتخصيص كميات مهولة من مياه كارون إلى هذا الغرض. على أن ما يسمى غسيل التربة لإزالة الأملاح منها، ومن ثم زراعتها، هي عملية مستمرة تستوجب القيام بها عدة مرات. وفي كل مرة تتطلب استخدام مياه عذبة، ستتحول إلى مياه مالحة غير صالحة، لتتحول بمرور الوقت كميات هائلة من المياه العذبة إلى مياه مالحة. وتقوم شركة قصب السكر 25 مرة بهذة العلمية في العام الواحد، بناء على ما جاء في موقعها الرسمي. وتشير معلومات هذا الموقع إلى نشاط الشركة الخاص بإعمار الأراضي الزراعية التي بحوزتها، وتشرح أسلوبها في استغلال المياه العذبة فتقول: «إن شركة تنمية قصب السكر ومنتجاته أقدمت عبر أذرعها الإنتاجية السبع على تدشين شبكات ري وصرف ومحطات ضخ وتعبيد طرقات وصناعة جسور للمواصلات، أحيت بكل ذلك 100 ألف هكتار من أراضي خوزستان. ونظرا لكون معظم هذه الأراضي تعاني من تربة مالحة فإن تأهيلها كان يتطلب إيصال مستوى الملح فيها إلى ما دون ds/m3. ولذلك أقدمت الشركة على تصميم شبكة ري حديثة تشتمل على أنابيت جانبية ومجمعة ومحطات ضخ خاصة للري. وتقوم هذه الشبكة من الأنابيب التي أُغرست في عمق مترين داخل الأرض وبفواصل 40 إلى 80 متر، بإخراج المياه من المزارع»[5]، بغرض تخفيض مستوى الملح فيها. ويكفي هذا النص لإدراك عمق التبعات الناتجة عن معالجة هذا الكم الهائل من التربة المالحة، وما تتطلبه من إهدار كميات كبيرة من المياه: نشير إليها أدناه:

تلوث المياه وإهدارها

وكما يتضح من تصريح هذه الشركة أعلاه، فإنها تقوم أولا بمهمة جلب المياه العذبة من الأنهر القريبة، ومن ثُمّ ضخها في هذه الأراضي الشاسعة بغرض غسل التربة المالحة، لتعمل في النهاية على صرف هذه المياه الملوثة المالحة. وقد وزعت هذه الشركة صرف المياه المالحة من جراء غسيل التربة على أذرعها السبعة: حيث تصرف شركة إمام خميني المياه في نهر كارون، بينما شركة دهخدا ترسلها إلى هور العُظيم. وتقوم شركة دعبل الخزاعي وسلمان الفارسي والفارابي، الواقعة في شرق الأحواز، بصرفها في هور الفلاحية. وتذهب الشركات الواقعة في غرب الأحواز، وهي ميرزا كوجك خان وأمير كبير، بمياهها الملوثة إلى الأراضي الواقعة على أطراف المحمرة متسببة بنشوء بحيرات مياه مالحة عُرفت ببحيرات قصب السكر تتجاوز سعتها 11 ألف هكتار. هذا وتجدر الإشارة إلى أن شركة قصب السكر بالوقت الذي تغدق المياه الملوثة فإنها تمانع بمضخاتها الواقعة في شمال نهر كارون تمانع وصول كميات كبيرة من المياه العذبة إلى منطقتي عبادان والمحمرة المجاورتين.

على أن هذا التصرف لم يفض إلى تلوث المياه فحسب، بل تسبب بنقص فيها انعكس على حجم زراعة قصب السكر. وهذا هو ما صرح به «حسين آملي» نائب قسم الزراعة في هذه الشركة: حيث أفاد بأن تدني مستوى عذوبة المياه تسبب بإنخفاض إنتاج قصب السكر بنسبة 22 بالمئة في العام 2018، وقد تطور الأمر هذا في العام 2021 حتى كبد شركة دهخدا أضرار فادحة أضطرت إثرها لتسريح عدد من العمال، بناء على تصريح إمام جمعة الأحواز العاصمة.

وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الإهدار لمياه نهر كارون، إلى جانب بناء السدود الذي يستحق دراسات مستقلة، تسبب بإنخفاض نسبة المياه فيه، وعكس هذا الانخفاض عملية خروج المياه من كارون إلى الخليج العربي، وجعل مياه الخليج المالحة تصب في نهر كارون. وقد حاولت الحكومة تدارك هذا الامر وتفادي تبعاته الجسام عبر بناء سد يمانع وصول المياه إلى نهر كارون. وهذا الأمر أثار احتجاج الجانب العراقي  حتى خرجت وزارة الموارد المائية العراقية بتصريح أكدت فيه أن خفض مياه نهر كارون تسبب بارتفاع ظاهرة اللسان الملحي في شط العرب الذي يغتذي من مياه كارون.

ونظرا لحجب المعلومات من الجانب الإيراني بشان حقيقة تلوث المياه في الأحواز، فيتم الاستناد هنا على المعلومات التي نشرتها الحكومة العراقية ومواقع إخبارية عراقية بخصوص حجم الكارثة التي حلت بمياه شط العرب وكارون وغيرها من الأنهر.  فبالنسبة للأهوار سواء هور العُظيم أو هور الفلاحية فقد كانت الأضرار مدوية. فبموجب برنامج الأمم المتحدة للبيئة اختفى 90 بالمئة من هور الفلاحية إثر انخفاض تدفق المياه في شط العرب وارتفاع مستويات الملوحة فيه[6]. وقد فاقم هذا الوضع دفع مياه البزل باتجاه الأهوار، ما أثار تصريح النائب العراقي جمال المحمداوي حيث قال: «إيران تتعمد إغلاق نهر كارون وفتح السيل المالح للمبازل نحو أراضينا.. نسبة الملوحة الان باتت 8000 جزء لكل مليون لتر بمنطقة سيحان الشهيرة بالبساتين والنخيل، فيما النسبة بمركز المدينة 3000 جزء. وفي كلتا الحالتين النسبة تتجاوز المعدل الطبيعي بكثير»[7]. هذا وأضاف مدير إدارة الموارد المائية في العراق أن السلطات الإيرانية «تستخدم شط العرب حاليا كمكب لنفايات المصافي ومياه الصرف الصحي وما يسفر عن ذلك من تلوث كبير وارتفاع نسبة الملوحة فيه».

موت الأسماك و الحياة البيئية: وبعد هذا الحجم الهائل من التلوث وانخفاض نسبة المياه في معظم أنهر الأحواز، خاصة عند شط العرب، قررت السلطات الإيرانية بناء سدين هما مارد وجويبده على ضفاف مياه الخليج العربي، لمنع دخول مياه البحر المالحة إلى مياه كارون العذبة، وذلك لعجز كارون من التدفق إلى مياه البحر أو الوصول إليها،كما قيل سابقا.

ومثل هذه الخطوة جعلت الكثير من الكائنات البحرية في الأهوار التي تغتذي من نهر كاورن مهددة بالإنقراض. ففي دراسات تمت في العام 1971 يظهر أن هور الفلاحية يشتمل على 6000 ألف وزة و4000 بطة، بينما أشارت دراسة أخرى عند العام 1987 إلى وجود أكثر من 800 ألف نوع من الطيور في هذه الأهوار، وكل هذا الكم من الطيور بات مهداد بفعل المياه الملوثة[8]. هذا وقد أفاد وليد ألبوناصر عضو مجلس شورى بلدية الفلاحية بأن «المصدر الوحيد الذي بات يصب في هور الفلاحية هو المياه المالحة الآتية من شركات قصب السكر حيث شكلت هذه المياه بحيرة تمتد من دار خوين حتى نهاية محطة الغاز في عبادان… أي في مساحة تصل إلى أكثر من 90 ألف هكتار»[9].

موت النخيل: وإذا ما نظرنا إلى واقع تلوث المياه في مختلف أنهر الأحواز وتدفق مياه الصرف الصحي فيها إلى جانب المياه الملوثة من الاستخدام الصناعي والزراعي، فإن ضرر هذه المياه بالزراعة يصبح نتيجة منطقية[10]. وهذا بالتحديد هو ما صرح به رئيس نقابة خبراء البيئة في «خوزستان» حيث قال: بأن تقلص نسبة مياه كارون زاد من نسبة المياه الملوثة فيه، وباتت الحياة الطبيعية في هذا النهر مهددة بالانعدام تماما. وهذا التلوث انعكس على الحياة النباتية على حاشية هذا النهر وأمات التنوع النباتي الكبير الذي كانت تتمتع به المنطقة.

على أن أكبر التبعات كانت من نصيب زراعة النخيل حيث تشير احصائيات وزارة الجهاد الزراعي الإيراني إلى تقلص النخيل في مدينة عبادان والمحمرة، مهد زراعة النخيل في إيران، تقلصها بنسبة مليون نخلة إبان الحرب إلى 4 مليون نخلة عند العام 2018. وبعد زيادة ملوحة المياه إثر نشاط هذ الشركة باتت أكثر من مليون نخلة عرضة للموت، بينما سجل العام الماضي احتراق 400 ألف نخلة من الجفاف بناء على تصريحات الأهالي. أما في مدينة الفلاحية التي تتمتع بوجود 2.6 مليون نخلة فإن الاحصائيات شبه الرسمية تشير إلى وقوع 80 بالمئة منها تحت خطر الموت. على أن خطورة الجفاف الذي يهدد النخيل لا تُدرك تماما إلا إذا عرفنا أن عدد العاملين في هذا المجال يتجاوز 250 ألف فرد، أي ما يفوق إجمالي عدد موظفي شركة قصب السكر بأكثر من 20 ضعفا[11]. وذلك يعني أن أي خلل في نشاط الزراعة الخاص بالنخيل سيفضي إلى تبعات اقتصادية واجتماعية هائلة.

وبالإضافة إلى كل ذلك فقد ساهم هذا الكم الكبير من المياه المالحة بموت مئات الهكتارات من الأراضي الخصبة المجاورة للأنهر في جميع مناطق الأحواز، أخفت الجهات الرسمية المعلومات الدقيقة الخاصة بحجمها الواقعي. وذلك أن ترك المياه المالحة حول الكثير من الأراضي إلى أراض جدباء لا تصلح للزراعة مثلما جاء سابقا. ومن أبرز المظاهر التي ترى في العين المجردة هو وجود طبقة بيضاء على الكثير من الأراضي الواقعة على مقربة من كارون، إثر انتشار الأملاح وإنتقالها من مكان إلى آخر.

   تلوث المیاه والجو وصناعة السرطان

تعمد شركة قصب السكر عند حصدها للمحاصيل إلى إضرام النار في الحقول، عندما تكون نبتة القصب مائلة نحو الأسفل ليس بمقدور الحاصدة حصدها. وتتراوح نسبة الحصاد عن طريق النيران 60 بالمئة من إجمالي المزارع[12]. وفي مثل هذه الحالات تشتعل ألسنة نيران ودخان عظيمين. ولعل انتشار هذا الدخان هو من جعل الأحواز تحتل المرتبة الأولى بين المناطق الملوثة لأعوام متتالية، حسب تصنيف منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة. وقد بلغ هذا التلوث الذروة عند ما راجع في يوم واحد 20 ألف فرد لإصابتهم بضيق التنفس حسب تصريحات نائب مدينة دزفول في البرلمان الإيراني.

إن الدخان الحاصل من إشعال قصب السكر دخان ثقيل يحتوي على سكر وكحول، مما يجعله يتحرك نحو الأسفل ولا يصعد إلى الأعلى، وذلك ينعكس بشدة على ضيق التنفس والحساسية في البشرة. كما تتسبب وجود كميات هائلة من الملوثات الحاصلة من حرق قصب السكر بهطول أمطار حمضية في المنطقة. كل ذلك يستند مع وجود دخان من المصافي وعمل شريكات النفط، والغبار والكثبان الرملية الحاصلة من جفاف الأهوار.  وقد تطور الأمر في بعض الحالات إلى إقامة دعوى قضائية ضد شركات قصب السكر التي تقوم بإشعال النار في محاصيلها مما انعكس على شكل طبقات من القشور الرطبة تهبط على السطوح. وقد أكد مدير منظمة البيئة في محافظة خوزستان، علي سلاجقة، على أن شركة قصب السكر تقوم بإشعال 60 بالمئة من فائض منتوجاتها[13]، على عكس نفيها لهذا الأمر.

وإلى جانب ذلك فإن هناك مظاهر أخرى من نشاط هذه الشركة لم يتم التحقق بعد ما إذا كان له تبعات صحية أم لا: والمقصود بذلك هو نشاط هذه الشركة في صناعة أنواع الكحول: حيث تنتشر رياح كريهة في منطقة تتراوح بين 25 كيلومتر مربع في الحد الفاصل ما بين مدينة الأحواز وعبادان، مما تسبب بمراجعة الكثير من أهالي القرى الواقعة في هذه المنطقة إلى المشافي. على أن عند زيادة سرعة الرياح تصل هذه الروائح الكريهة إلى مدينة كوت عبدالله وتنتشر إلى أماكن بعيدة[14].

لكن كل تلك الأمور المشار إليها لغاية الآن تعد يسيرة وقصيرة الأمد إذا ما قورنت مع التبعات البيعدة الأمد الحاصلة من تلوث الهوى، الظاهرة على احتلال منطقة «خوزستان» الرتبة الأولى من حيث شيوع أنواع السرطان في الرئة والبشرة والمثانة إلخ على مستوى إيران. فلقد أفاد رئيس مركز دراسات السرطان والملوثات البيئية في جامعة جندي سابور أن مستوى تفشي السرطان بات مخيفا في خوزستان[15].

وأكثر الإحصائيات هولا هي تلك التي صرح بها رئيس مشفى الشفاء في الأحواز: المشفى الوحيد الخاص بمعالجة المصابين بالسرطان حين قال أن نسبة الإصابة بالسرطان في خوزستان تجاوزت نسبة 500 بالمئة في العقد الأخير، حيث ازداد عدد المراجعين المصابين بالسرطان من 223 مصاب عند العام 1985 إلى 988 عند العام 2010 بينما لم يشهد نمو التعداد السكاني في خوزستان إلا 25 بالمئة[16]. لكن على العكس من هذه التحذيرات فإن السلطة المركزية في إيران تنكر هذه الوقائع تماما وتحاول تكذيبها. فقد أشار مساعد وزير الصحة إلى أن معدلات الإصابة بالسرطان في إيران أقل من كثير من البلدان الأوروبية.

على أن ما يعزز مصداقية تردي الأوضاع الصحية في الأحواز، ويدحض النفي الحكومي الإيراني، هو ما يحصل في العراق من انتشار حالات مشابهة وتضرر في صحة المواطنين. فوفقا لدراسات قام بها موقع IQ NEWS فإن العراق يشهد حالات تسمم في المياه أخطر من المد الملحي الذي تواجهه محافظة البصرة. وحالات التسمم بسبب تلوث المياه والإسهال والمغص المعوي والطفح الجلدي تظهر بشكل واضح في المشهد العام. والأخطر هو أن أمراض المياه تعتبر أمراضا تراكمية لا يكون ظهورها بالضرورة بشكل مباشر، أي بالرغم من وجودها الان فإنها لا تظهر إلا بعد مرور الوقت. كما أشار المصدر هذا إلى ارتفاع نسبة الإصابة في السرطان في العراق[17].

هذا وقد أفادت تقارير منظمة صيانة البيئة في خوزستان إلى الطبيعة المختلفة للكثبان المنتشرة في هذه المنطقة حيث يصل حجمها إلى 2.5 ميكرون. ويكون حجم التلوث 50 ضعفا من الحجم المعياري مع قدرة على الاستمرار بنسبة 10 أيام. هذا بينما تحدث ظاهرة انتشار الكثبان الرملية 88 يوميا في كل عام بمعدل مرة في كل 15 يوم. وقد رصد أحد أخصائي الدم كميات كبيرة من ذرات اليورانيوم في غبار الأحواز ساندت إنتشار أنواع السرطانات، وقد حدى الأمر به حتى سمى ظاهرة تفشي مرض السرطان بـ«تسونامی السرطان»[18].

هذا وحذرت المؤسسة الدولية لدراسة السرطان (IARC) من زيادة عدد الإصابة بالسرطان بسبب تلوث الجو، أي ذلك التلوث المنتشر جدا في الأحواز. وبعد الكثير من هذه التحذيرات خرج عدد من نواب الأحواز في البرلمان عن صمته محذرا من زيادة الإصابة بالسرطان. على أن الإصابة بالسرطان شمل قائمة من السرطانات بين سرطان الرئة والدم والمجاري وإلخ. فهذا رئيس نقابة العلاج الإشعاعي، قوام نصيري، تحدث عن تلوث مياه نهر كارون بجرثومة «شيستوزوميا» المسبب لمرض سرطان المثانة.

وقد استمرت هذه الأمراض بالتفشي من جراء تلوث مياه الشرب حتى انعكس هذا الأمر على جنين النساء، حيث تزايدت حالات ولادة مشوهة. حيث تشير الإحصائيات إلى موت الكثير من الأجنة، أو إصابة الأحياء منها بأمراض في القلب والرئة والجلطة الدماغية. وذلك هو ما أكده أحد أعضاء البلدية في منطقة البرومي من تفشي ولادة الأطفال المشوهين بسبب تلوث المياه الجوفية على يد الشركات العاملة نظير شركة قصب السكر[19].

هجرة النخب: هذا ويبدو بدهيا أن سيادة هذه الأضاع المتردية والخطيرة على سلامة الأفراد يجعل الخيار الأول لكثير من الأسر الهجرة من هذه المنطقة. وإذا ما لاحظنا أن قرار الهجرة من منطقة الأحواز لا يكون متاحا إلا لذوي الاختصاصات، فإن ذلك يعني أن نخب هذه المنطقة تهاجر عنها. وهذا هو ما صرح به نائب مدينة الفلاحية في البرلمان الإيراني حين قال: أن 20 ألف من أهالي الفلاحية قد هجرها في فترة خمس سنوات، وهي احصائية كبيرة بالنسبة لهذه المدينة التي لم تعتد مثل هذه الظواهر[20]. والجدير بالذكر هو أن ما يفوق 99 من سكان الفلاحية فهم من العرب.

التبعات الاستيطانية

إن نظرة خاطفة على عدد موظفي شركة قصب السكر التي توظف أكثر من 20 ألف فرد حسب موقعها، يظهر بوضوح أنها حكرا بيد الأقلية الفارسية المستوطنة في هذه المنطقة. فإنه بالرغم من تأمين الأراضي الزراعية الخاصة بالشركة من أهالي المناطق العربية، لم تكن حصتهم من التوظيف في أراضيهم في شركة قصبالسكر شيئا يذكر. وبالرغم من فرض كتمان حكومي شامل على انتماءات الموظفين في هذه الشركة، إلا أن ما يعزز فرضية وقوع معظم التعيينات في الأقلية الفارسية الوافدة، هي خروج الاحتجاجات الشبه دورية من جانب الأهالي المجاورين لمزارع الشركة، تنديدا بتردي أوضاعهم المعيشية.

وهذا بالتحديد هو ما دار في الجلسات التي كانت تعقد بين النواب العرب مع مسؤلين فارسيين في محافظة خوزستان كان مفادها أن الأمن القومي يحتم إشراك العرب في الشركات الكبيرة نظير قصب السكر تفاديا لتردي الأوضاع الأمنية. وهذا الاستدلال هو ما حدى بصانع القرار في محافظة خوزستان بإسناد إدارة شرك قصب السكر إلى عبد العلي الناصري، وهو عربي. على أن هذا الإسناد من جهته لم يكن إلا صوريا أراد إسكات الأكثرية العربية في المنطقة. ذلك أن نظرة خاطفة إلى أسماء المديرين العامين للشركات السبعة التابعة لشركة قصب السكر، كما جاء في الجدول أعلاه، تظهر أنهم كلهم من الفرس. كما أن أعضاء هياة الإدارة في كل هذه الشركات فكلهم فرس، مثلما تشير إلى ذلك معلومات هذه الشركة الموجودة في موقعها الرسمي. وهذا التمييز في التعيين في شركة قصب السكر هو ما حذر منه أستاذ جامعة الأحواز حين قال أن التمييز طاغ على التعيين في هذه الشركة[21] محذرا من تبعاته الأمنية.

وكان هذا التمييز ناتجا عن تجلب الإدارة أعدادا كبيرة من العمال والموظفين من المدن المجاورة للأحواز العاصمة، توفر لهم شقق سكنية رخيصة، وتمنحهم قروض متوفرة، بهدف تعزيز سياسة تغيير التركيب السكاني في الأحواز. وتظهر المشاهدات اليومية بناء مستوطنات خاصة بالفرس، نظير حي آقاجاري وحي باهنر إلخ، ذات الأغلبية الفارسية، بفعل سياسات هذه الشركات ونظرائها، بينما لم تكن شهدت مدينة الأحواز من قبل وجود أحياء بأغلبية فارسية قبيل عقد من الزمان، وفق شهادات الكثير من أبناء هذه المنطقة. على أن هذا المد الاستيطاني لم يكن مدعوما من قصب السكر فحسب بل إنه يتحصل على دعم من شركة النفط فضلا عن السياسات الداعمة من جانب المحافظية.

التبعات السياسية

ولهذا المد تبعات ثقافية وسياسية كبيرة. فهذا محمد جعفر بهتاش، أستاذ جامعة الأحواز، أشار في لقاء له مع وكالة إيسنا، في المصدر السابق، إلى أن التدقيق في حجم الموظفين العاملين في هذه الشركة يشير بصراحة إلى إيفاد جمعيات كبيرة من خارج الأحواز إليها، الأمر الذي خلق حالة من السخط بين أبناء هذه المناطق ممن تم مصادرة أراضيهم. وهذا يجعل المنبوذين من العرب من أهالي هذه المنطقة مستعدين تماما لخوض مصادمات مع الجهات المسؤلة عن هذا الوضع.

وهنا تتعاضد الجوانب السياسية مع الجوانب الثقافية، حيث أخذت هذه الجموع الموفدة على الأحواز تتحدث عن الطابع الفارسي لها، منكرة تماما الطابع العربي فيها: ولقد بلغ هذا التوجه الذورة عند ما أخذت الدوائر الرسمية والبلدية والمطار إلخ تتعمد كتابة اسم الأحواز انكليزيا بالـV  بدل الـW في محالوة للتلاعب بتلفظها العربي. وبالإضافة إلى ذلك فلقد قامت هذه الأقلية الموفدة بصناعة تاريخ فارسي للأحواز، إعتدت فيه على أمجاد الأحوازيين ورجالها، على رأسهم الأمير الشيخ خزعل الذي لم يسلم من التجاوزات اليومية من الصحف الفارسية الـ«خوزستانية».

ثم من التبعات السياسية الكبيرة بقيادة هذه الجموع الموفدة هو السعي للتلاعب بالتركيبة السكانية: تجلى في فصل مسير كوت عبدالله عن التقسيم الرسمي الخاص بمدينة الأحواز وجعلها مدينة منفصلة عنها بالرغم من قربها عن بعضها حيث لا تفصلهما عن بعض إلا مسافة عشر دقايق. وبعد ذلك الفصل بات الحديث يتمركز على انقسام الأحواز إلى فئتين رئيستين: الفرس بنسبة 51 بالمئة والعرب بنسبة 49 بالمئة حسب التصريحات الحكومية التابعة لمحافظة الأحواز.

الاستنتاج

لقد أظهر تتبع نشوء هذه الشركة على الأراضي التي تحوط الأحواز العاصمة أنه كان خطوة مستعجلة وخاطئة كليا، لأنها استحوذت على أراض بتربة مالحة كان تهيأتها للزراعة يتطلب إهدار كميات هائلة من المياه لم تكن الأحواز بغنى عنها. إن عملية غسيل التربة التي تقوم بها شركة قصب السكر من أجل تهيأة أراضيها للزراعة 25 مرة في العام تسببت في تلوث المياه بشكل كبير، كاد أن يقضي على الحياة البحرية لنهر كارون، وجميع الانهر التي تغتذي منه، والأهوار العامرة بتدفق مياهه.

وقد كان العبث في المياه يعني على مر العصور إعلان حرب على الحياة بمختلف نشاطها: وهذا ما حصل مع الأحواز والاحوازيين على يد حرب هذه الشركة ضد مياههم: فبمجرد تلوث المياه، ماتت الحياة البحرية وحدثت حالات نفوق متكررة بين الأسماك، الأمر الذي أدى إلى بطالة فئات كبيرة من العرب الصيادين ممن يؤمن قوت يومه وعياله من الصيد والخيرات التي بجوف المياه. وهكذا تعدى الأمر إلى النخيل فماتت ملايين النخيلات في الأحواز بووصول مياه مالحة إليها تصرفها أراضي قصب السكر. ومرة أخرى أصيب عدد من الأحوازيين العرب ببطالة بموت نخيلهم وبساتينهم يصل عددهم، مثلما جاء أعلاه، إلى 250 ألف فرد.

وعندما حاربت شركة قصب السكر الأحوازيين بمياههمم ونخيلهم وأسماكهم فجوعتهم وهمشتهم، عدت هذه المرة على صحة أبدانهم معلنة حربا عليهم من نوع آخر غاياتها موت الأبدان: فتسرب المياه الملوثة تعزز هذه المرة بإحراق منتوجات قصب السكر، لتخلق هذه الشركة بطريقتها في جني الثمار عبر حرقها سحب دخان ملئية بالكحول وأنواع الملوثات لتسسب بمختلف السرطانات، جعلت الأحواز الأولى في إيران في مستوى الإصابة بالسرطان.

هذا ما حصل مع الأبدان والقوت اليومي للأحوازيين، لكن إلى جانب ذلك توجت جموع الوافدين للعمل في شركة قصب السكر من الفرس، توجت حرب هذه الشركة ضديد الإنسان الأحوازي وأبدانه، توجته بحرب سياسية ثقافية نالت فيها من عروبة الأحواز وباتت تتحدث عن أنها منطقة فارسية ما العرب إلا أقلية فيها وافدين من العراق أو من بلدان عربية مجاورة. وهكذا باتت السياسة الأحوازية لدى السلطات الفارسية عبارة عن عملية تزوير لتاريخ هذه المنطقة وإماتة الطابع العربي فيها.

سامي الأحوازي

المصادر على الرابط التالي من المصدر :

 

معهد الحوار للبحث و الدراسات

 

 

 

 
آخر تعديل في الأحد, 18 أيلول/سبتمبر 2022 22:34