تداعيات مقتل الرئيس الإيراني على سياسات طهران الداخلية والخارجية

حزيران/يونيو 09, 2024 54

مقدمة

أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني في 20 ايار(مايو) 2024, وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي والوفد المرافق له في حادث تحطم المروحية التي كانت تقلهم في أذربيجان الشرقية. وكانت مروحية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي قد تعرضت إلى “حادث” إثر “هبوط صعب” في شمال غرب البلاد.وكان متوجها إلى مدينة تبريز شمال غربي إيران، بعد عودته من الحدود الأذربيجانية، حيث افتتح سدي قيز قلاسي وخودافارين على الحدود بين إيران وأذربيجان، بمشاركة رئيس أذربيجان إلهام علييف. واستطاعت فرق الإنقاذ الوصول إلى حطام المروحية بعد جهود استمرت 15 ساعة. وتوفي في الحادث بجانب الرئيس كل من وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، ومحافظ تبريز مالك رحمتي، وإمام صلاة الجمعة في تبريز محمد علي هاشم، إضافة إلى اثنين من كبار الضباط العسكريين في الحرس الثوري، وطاقم المروحية المكون من ثلاثة أفراد. واستطاعت طائرة مسيرة تركية من طراز “أقينجي” كشف موقع تحطم المروحية، وشاركت في أعمال البحث بناء على طلب إيراني من السلطات التركية.

أولاً: الرواية الرسمية للحادث

قدم السيد غلام اسماعيلي رئيس مكتب الرئيس إبراهيم رئيسي روايته للحادث, بعد مراسم تدشين سد قلعة قيز الحدودي المشترك مع أذربيجان، توجهنا إلى مدينة تبريز في طقس صافٍ، لكن واجهنا في منتصف الطريق رقعة سحاب، حيث أعطى قائد الهليكوبتر التي كانت تقل الرئيس إبراهيم رئيسي الأمر بزيادة الارتفاع عندما وصل إلى تلك السحب، لكن بعد زيادة الارتفاع لم يكن هناك أي أثر لهليكوبتر رئيس الجمهورية”. ومنذ لحظة الإعلان عن انقطاع الاتصال اللاسلكي بطائرة الرئيس، بدأت محاولات للاتصال بالحرس الشخصي للرئيس، ووزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، وإمام جمعة تبريز ومحافظ تبریز، دون تلقي أي رد منهم. في وقت لاحق علمنا بأن ركاب الهليكوبتر الآخرين استشهدوا على الفور، وأن حالة الجثث تشير إلى أن أفراد الطائرة “ماتوا بعد وقوع الحادث مباشرة”. وهنا برز احتمالان لا ثالث لهما، أولهما: هو احتمال تعرض طائرة الرئيس الإيراني لحادث مدبر نتيجة ما ذكرته تقارير تركية تشير إلى أن جهاز إرسال الإشارات بطائرة الرئيس الإيراني كان عاطلا، أو احتمال سقوط الطائرة نتيجة الطقس السيئ. وقد اعلنت وفاة الرئيس الإيراني نتيجة سقوط الطائرة بعد تعرضها لخلل فني أو تقني بسبب سوء الأحوال الجوية في ذلك اليوم.

فيما أوضحت هيئة الأركان المسلحة الإيرانية: ان مروحية الرئيس الإيراني تعرضت لحريق بعد اصطدامها بمرتفع ولا يوجد أثار للرصاص او ما شابه في جسم المروحية. واشار التقرير الأولي الصادر عن لجنة التحقيق العليا لبحث أسباب سقوط مروحية الرئيس الإيراني :ان مروحية الرئيس واصلت مسيرها المخطط مسبقاً ولم تخرج عنه. وطيار المروحية أجرى اتصالاً مع المروحيتين ضمن قافلة الرئيس. ولم يلاحظ أي أثر لإصابة بالرصاص أو ما شابه ذلك على حطام المروحية. ومروحية الرئيس احترقت عقب اصطدامها بالمنحدرات. وعمليات البحث استمرت حتى الساعة الخامسة صباحاً بسبب وعورة المنطقة والضباب الكثيف وبرودة الجو. والعملية انتهت بعد العثور على موقع سقوط المروحية عبر المسيرات الإيرانية وثم توجهت فرق الإنقاذ نحو الموقع. ولم يتم رصد أي نقطة مشبوهة في اتصالات وحوارات طاقم المروحية مع برج المراقبة. وأوضح تقرير لصحيفة نيويورك تايمز: تم العثور على جثتي الرئيس الإيراني رئيسي ووزير الخارجية عبد اللهيان في منطقة بقايا المروحية المنكوبة – محترقة بالكامل لدرجة يصعب التعرف عليها. وأخيراً، تم التعرف على رئيسي من خلال خاتمه، كما تم التعرف على عبد اللهيان من خلال ساعته.وتم جمع جزء كبير من الوثائق والآثار المرتبطة بالحادث لكن دراستها بشكل أعمق تحتاج إلى المزيد من الوقت. وقالت صحيفة “جمهوري إسلامي” الإيرانية إن وقوع حادثة سقوط مروحية الرئيس إبراهيم رئيسي بالقرب من الحدود الإيرانية مع أذربيجان يعزز فرضية أن تكون إسرائيل ضالعة في الحادثة، نظرا إلى النشاط الإسرائيلي في تلك المنطقة على المستوى العسكري الاستخباراتي.

وتحت عنوان “مسامحه جایز نیست” أو “لا مجال للتهاون” نشرت صحيفة جمهوري إسلامي الإيرانية الأصولية مقالة افتتاحية تعليقا من جانبها على واقعة مصرع الرئيس الإيراني ومرافقيه، يوم الخميس 3 خرداد 1403 هـ. ش. الموافق 23 ايار(مايو) 2024م.كشفت الصحيفة عن وجود تكهنات تميل تدريجيًا نحو المؤامرة بالدرجة التي جعلت رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية يحدد مجموعة من ضباط التحقيق للبت في الحادثة وتوضيح كيفيتها. وافترضت الصحيفة 3 احتمالات أولًا أن الحادث أوضح أن المخططين لشؤون سفر رئيس الجمهورية يعانون ضعفًا رئيسًا، وغفلوا عن أمور أمنية عديدة، وثانيًا أن الملاحة الإيرانية ضعيفة، ولو أن حادث المروحية التي تقل الرئيس ناتج عن مؤامرة فإن هذا الضعف أيضًا مشترك في حدوثه، والثالثة أن إيران تفتقر إلى توفير الأمن ضد المؤامرات الخارجية إلى حد بعيد. ولكن طرح امكانية الاغتيال لن يخرج عن ثلاث فرضيات هي:

فرضية الداخل: وتعني أن الرئيس رئيسي، قد تمت التضحية به لأسباب أيدولوجية داخلية واخرى تتعلق بتزايد السخط الشعبي ضده وضد النظام نفسه بعد موجة من الاحداث القمعية، وأسباب أخرى سياسية ربما من أجل التهدئة مع إسرائيل وأمريكا، بعد الهجمات الصاروخية الأخيرة التي طالت عمق إسرائيل.

فرضية الخارج: أن إسرائيل قد خرجت عن الطوع الأمريكي الغربي ونفذت هذه العملية بدقة من أجل خلط الأوراق بعد بوادر الوقوف الغربي في وجه حكومة نتنياهو، وهذا يتزامن مع طلب الجنائية الدولية القبض على نتنياهو ووزير دفاعه غالانت، واعتراف النرويج وايرلندا وإسبانيا بالدولة الفلسطينية. ما يعني بداية سخط غربي على إسرائيل المارقة التي بدأت تنفذ سياسات خارج إرادتهم وقد تورطهم في حرب كبرى بالشرق الأوسط. وهنا يكون الهدف دفع إيران الى مواجهة مباشرة إسرائيل. وبالنتيجة الحرب مع أمريكا.

فرضية العنصر الثالث المستفيد: وسط المواجهات الايرانية الإسرائيلية .توجد فرصة ضرب ايران كي تلتصق التهمة مباشرة بإسرائيل. دون أن ننسى أن منطقة سقوط الطائرة وعرة وقريبة من مناطق نزاع أرمينا واذربيجان. وقد سبق ان سقطت عشرة صواريخ في هذه المنطقة أثناء النزاع بين الطرفين. فربما أراد طرف ما توريط أذربيجان في مواجهة مع إيران. او طرف أذربيجاني عميل لإسرائيل وضع شيئا بالطائرة لتوريط ايران في حرب مع الغرب. وكله يلعب على وتر المواجهة الإيرانية الإسرائيلية وان إيران لن تقدم على الحرب وإن أقدمت يتحقق الهدف المطلوب. او ربما يكون عناصر من المعارضة دبرت العملية باختراق كبير ومساعدة خارجية.

وبالنظر لتكرار الحوادث الامنية ووجود العديد الشواهد على مدار سنوات (مما يدل على ضعف في المتابعة و المراجعة و المحاسبة و تفادي الأخطاء و هذا خلل منهجي يدل على الإهمال و التراخي الشديد)  فمشكلة الاختراقات في إيران على الأرجح لن يتم حلها على المدى المتوسط على الاقل و ربما حتى على المدى البعيد. فالاختراقات في إيران و بناء على ما أدت اليه ، تشير إلى ضعف شديد في أبسط  إجراءات الأمن الوقائي في الدولة، و هذا بدوره يشير إلى  فوضى واسعة تضرب منظومة الأمن و الاستخبارات في إيران  بشكل عام، و فوضى بهذا الحجم غالبا تشير (نظريا بشكل عام دون تحديد للحالة الإيرانية ) إلى وجود خلل في صياغة السياسات الأمنية و العقيدة الاستخبارية للبلاد وفي ترتيب الأولويات، ما يستتبع بالضرورة حدوث خلل في تحديد الأهداف و في توزيع الاختصاصات وفي التقسيمات الإدارية و الهيكلية للمؤسسات المعنية و في صياغة الخطط و توزيع الميزانيات، والذي يؤدي بدوره الى التداخل في  الاختصاصات والمسؤوليات والاحتكاكات بين الاجهزة وما يترتب على ذلك من كوارث وثغرات قاتلة. وهذا بدوره يأخذنا خطوة الي الخلف للنظر البنية “الاثنية” لمؤسسات النظام الإيراني ككل، والتي تعود إلى رؤية نظام الثورة و ” عقليته” إن صح التعبير. فالمشكلة في إيران عميقة للغاية بهذا الخصوص و تضرب في الجذور.

ومن غير المنطق التسليم بأن حادثة طائرة الرئيس الايراني كانت بسبب الظروف الجوية الصعبة بعد سلسلة الاغتيالات والاستهدافات التي طالت الكثير من القيادات الايرانية في المدة الماضية وبمختلف الوسائل وفي اماكن متعددة منها ما هو داخل ايران ومنها ما هو خارج. ومعلومات عن رصد طائرة نقل عسكري أمريكية طراز C-17 أقلعت من اذربيجان نحو إسرائيل في نفس توقيت اختفاء طائرة الرئيس الإيراني.

من جانبه، أعلن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي الحداد 5 أيام في إيران.وبعد مراسم التشييع يتم الدفن بمدينة مشهد. حيث مرقد الإمام علي الرضا، ثامن الأئمة المعصومين لدى الشيعة.وفي كلمة ألقاها مع انطلاق المراسم، أشاد وزير الداخلية أحمد وحيدي بالضحايا “الشهداء” وقال: “أظهر الشعب الإيراني أنه سيحوّل كل مصيبة إلى درج للارتقاء بالأمة إلى أمجاد جديدة”.وأضاف: “نحن، أعضاء الحكومة الذين كان لنا شرف خدمة هذا الرئيس الحبيب، هذا الرئيس المجتهد، نلتزم أمام شعبنا العزيز وقائدنا بالسير على درب هؤلاء الشهداء”.

وحضر قادة ومسؤولو 68 دولة مراسم جنازة رئيسي والوفد المرافق له، والتي عقدت في صالة المؤتمرات الدولية في العاصمة طهران. وأبرز من حضروا تأبين الرئيس الإيران على مستوى رئيس دولة هم أمير قطر، ورئيس تونس، ورئيس طاجيكستان. وعلى مستوى رئيس وزراء هم العراق وباكستان وأرمينيا وجورجيا وأذربيجان وسوريا. وعلى مستوى وزير خارجية هم  مصر، والسعودية، وتركيا، والإمارات، والكويت، وباكستان،  ولبنان والبحرين وتونس وأوزبكستان وطاجيكستان وبيلاروسيا وأرمينيا وأذربيجان وسريلانكا وأفغانستان وفنزويلا. وعلى مستوى نائب رئيس وزراء هم قيرغيزستان وأرمينيا والصين وأفغانستان وصربيا. وعلى مستوى رئيس برلمان هم لبنان والجزائر وكازاخستان ومالي وإثيوبيا، رئيس مجلس الدوما الروسي، رئيسا الجمعية التشريعية والجمعية العليا في أوزبكستان. وعلى مستوى مبعوث خاص هم الزعيم الوطني لتركمانستان، والممثل الخاص لإمبراطور اليابان، ونائب رئيسة الهند، والمبعوث الخاص لسلطنة عمان، والمبعوث الخاص لحكومة ماليزيا، ورئيس ونائب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في إثيوبيا. أما على مستوى الحركات والجماعات والمنظمات هم رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، ونائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، والمتحدث باسم جماعة الحوثي في اليمن محمد عبدالسلام، ورئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي فالح الفياض، ورئيس أركان الهيئة عبد العزيز المحمداوي، بالإضافة لممثلين عن حركة الجهاد وفصائل عراقية.

ثانياً: الانتخابات الرئاسية واحتمالاتها

أعلنت ايران أنها ستجري انتخابات رئاسية مبكرة في 28 حزيران(يونيو) 2024، وستبدأ عملية تسجيل المرشحين في 30 أيار(مايو)، فيما ستجرى الحملات الانتخابية خلال الفترة الممتدة بين 12 و27 حزيران(يونيو) 2024.

وقد تم تعيين السيد محمد مخبر، النائب الأول للرئيس الإيراني، رئيساً بالنيابة، وتصدر مجتبى خامنئي نجل المرشد عناوين وسائل الإعلام منذ الإعلان عن الوفاة المفاجئة للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي التي أدت لخلط الأوراق وبعثرت الحسابات السياسية في الجمهورية الإسلامية خاصة أن الحديث الدائر منذ سنوات كان البحث عن خليفة للمرشد الحالي علي خامنئي البالغ من العمر 85 عاما في ظل تقارير عديدة عن تدهور وضعه الصحي.وبرز اسم مجتبى خامنئي في تداول اسمه خاصة أن البعض يعتبر أنه كان يتنافس مع الرئيس الراحل إبراهيم كأحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة المرشد الحالي أية الله علي خامنئي. بافتراض انه كان عقبة في توريث منصب المرشد ، فهناك طرق أخرى للتعامل معه بداية من الاستمالة والاتفاق، والتسقيط السياسي، وحتى الاغتيال أساليب أخرى ابسط و أكثر امنا للنظام. و كل تلك الوسائل متاحة بسهولة للنظام. ولا يمكن تصديق احتمالية التصفية الداخلية او الشك في المرشد اذا ما طرحنا أدوار الذين قتلوا وأهميتهم للدبلوماسية الإيرانية. ومن ينفذ تصفية داخلية (للرئيس ووزير الخارجية) لصالحه من المنطقي ان يفكر في التوابع بحيث لا يكون الأول في قائمة الاتهام. وغالبية الايرانيين في الشارع يرددون ان رئيس الجمهورية ووزير خارجيته تم استدراجهم وتصفيتهم بطريقة بشعة وغير مقتنعين لرواية ان الحادثة بسبب خطأ فني في الطائرة او سوء الاحوال الجوية.

ويبلغ مجتبى خامنئي، الخامسة والخمسين عاما من العمر، وهو الابن الثاني من أبناء آية الله خامنئي الستة، وهو محافظ متشدد، نشأ في النخبة الدينية والسياسية للجمهورية الإسلامية، يقوم بالتدريس في حوزة مدينة قم التي تعتبر أكبر مدرسة دينية في إيران.ولا يحظى بأي منصب رسمي في الجمهورية الإيرانية ونادرا ما يظهر في وسائل الإعلام ما جعل البعض يطلق عليه رجل الظل. ولديه تدخل خفي في تعيين مسؤولين بالأجهزة الأمنية والسياسية المختلفة، وله يد على هيئة الإذاعة والتلفزيون، ويتمتع بسيطرة مطلقة على مؤسسات أمنية وعسكرية في النظام الإيراني.ولديه صلات أخرى رفيعة المستوى بالأجهزة الأمنية الإيرانية حيث كوّن منظمة استخباراتية تحت تصرفه مع تأسيس استخبارات الحرس الثوري 2009، وتمكن من تهميش دور وزارة الاستخبارات, وبحسب تقارير فإن مجتبى يتمتع بسلطة كبيرة داخل الدوائر المتشددة لوالده، بما في ذلك في مكتب المرشد القوي، الذي يشرف على الهيئات الدستورية.كما أنه قريبًا جدًا من الحرس الثوريّ الإيراني، وما يسمى بالقوى الثورية في النظام، ويجمع شبكات نفوذ مع الكوادر القوية، خصوصًا مع أعضاء مجلس الخبراء، الهيئة المكونة من 88 شخصًا، والمكلفة باختيار المرشد الأعلى القادم.وفي أب(اغسطس) 2022، رفعت المؤسسة الدينية الإيرانية “مجتبى” إلى رتبة “آية الله”، وهو لقب ديني يحتاج إليه ليصبح المرشد الأعلى لإيران، وهو ما عزز الشكوك حول احتمالية خلافة والده خاصة أن القرار جاء في الوقت الذي تدهورت فيه صحة المرشد الاعلى الذي كان قد تجاوز الثمانين عاما.

أهمية مجتبى ظهرت بعد العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية عليه عام 2019، معتبرة أن المرشد علي خامنئي “فوضه بعض مسؤولياته”.كما اتهم الإصلاحين الإيرانيون مجتبى خامنئي بلعب دور مهم في انتخاب محمود أحمدي نجاد عام 2005، والذي تغلب بشكل غير متوقع على المرشحين الرئيسيين في ذلك الوقت. وفي عام 2009، بعد إعادة انتخاب أحمدي نجاد ضد الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي، اجتاحت البلاد احتجاجات مناهضة للحكومة.وطالته الهتافات المناهضة للنظام بسبب دوره في انتخاب محمود احمدي نجاد في انتخابات 2009، فضلا عن الشائعات حول خلافته للمرشد، ويعتقد أنه كان مسؤولاً بشكل شخصي عن حملة القمع التي شنها النظام ضد المعارضة في ذلك الوقت.

وبين تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال حول احتمالية صعود مجتبى خامنئي، نجل المرشد الحالي للجمهورية الإسلامية، وهو يتناقض تماما مع وجهة نظر روح الله الخميني، بأن الحكم الوراثي يشبه النظام الملكي.  كما وصف المرشد الأعلى علي خامنئي الحكومة الوراثية بأنها “غير اسلامية” في عام 2023. وكان محمود محمدي عراقي، عضو مجلس خبراء القيادة، قال عام 2023: “نحن نستأذن قائد الثورة، هل ستسمح لنا بالتحقيق مع الشخص المنسوب إليك؟”

وهناك من يؤكد لن يكون ولن يصل مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد، ولا حتى منصب رئيس الجمهورية. وما يظل محل دراسة وبحث هو ماهية الدور الذي سيلعبه رجل بحجم مجتبى خامنئي يملك نفوذًا وعلاقات وولاءات داخل أجهزة الدولة السيادية. فتوريث منصب المرشد في إيران يعني في المقام الأول تدمير أحد أهم استحقاقات النظام في إيران الذي أطاح بـ 2500 عام من الحكم الشاهنشاهي؛ التوريث يعني موت الجمهورية.ولكن عندما تم اختيار السيد علي خامنئي لم يكن من آيات الله، لذلك تم تغيير القوانين لتمكينه من استلام المنصب.لذلك، من الممكن تغيير القوانين مرة أخرى حسب المناخ السياسي عندما يحين وقت اختيار مرشد جديد.

وتشير صحيفة “اعتماد”الإيرانية: لا أمل في انتخابات حقيقية لاختيار رئيس جديد والنظام حدد خليفة “رئيسي“ فقد استبعد الكاتب بصحيفة “اعتماد”، والناشط السياسي الإصلاحي البارز عباس عبدي، أن تشهد الانتخابات الرئاسية المقبلة انفراجه بالمشهد السياسي المحتقن في إيران.

وقال الكاتب الإيراني إنه كناشط سياسي يتمنى ارتفاع نسبة المشاركة إلى أكثر من 70 بالمائة؛ لأنه دليل على حيوية المجتمع وتفاؤله تجاه المستقبل، لكن في ظل الظروف الراهنة، فإن تحقيق هذه الأمنية، أمر مستبعد، حسب قراءة عباس عبدي.وأضاف عبدي أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة للانتخابات المقبلة، وهي أن تكون تنافسية بمشاركة من الإصلاحيين، أو تكون تنافسية حقيقية بين الأصوليين فقط، أو تكون شبيهة بالانتخابات في مطلع ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث قادت ظروف البلاد وخصوصية المرحلة النظام إلى انتخابات شكلية كان الفائز فيها معروفًا سلفًا.

وأوضح عبدي أنه بسبب ما تمر به إيران اليوم، وقصر الفترة الزمنية لبدء العملية الانتخابية، فإن حدوث السيناريوهين الأول والثاني غير وارد، أما الخيار الثالث فهو الوحيد الذي يبدو أن السلطة ستقدم عليه، لكنها الآن تواجه مشكلة في تحديد شخص يقوم بهذه المهمة، ويقود الحكومة الجديدة على النهج نفسه من موالاة بيت المرشد وباقي المؤسسات. وتوقع الكاتب أن يختار النظام شخص نائب الرئيس الراحل، والمتولي حاليًا منصب رئاسة الجمهورية مؤقتًا، محمد مخبر، كونه يتمتع بخصائص وميزات جعلت حكومة “رئيسي” المفضلة لدى النظام تختاره نائبًا له.

وقال الكاتب والمحلل السياسي، مرتضى أفقه، في مقابلة مع صحيفة “ستاره صبح” الإيرانية، إن إيران تواجه تحديين كبيرين، في المرحلة المقبلة، وهما أزمة التضخم والعقوبات الأميركية.
وأكد الكاتب أن الحكومة المنتخبة القادمة يجب أن تضع هذين الأمرين نصب أعينها، وإلا فإن الشعب سيواجه مزيدًا من الضغوط والتحديات في المرحلة المقبلة. ورأى الكاتب أن العقوبات أضعفت العملة الوطنية، وهو ما انعكس سلبًا على ضعف القوة الإنتاجية في البلاد؛ أي زيادة التضخم والغلاء في الأسواق، كما أن نسبة كبيرة من موارد البلاد الاقتصادية تعتمد على النفط، وإذا لم تحل الحكومة القادمة معضلة العقوبات، فهذا يعني أن نسبة كبيرة من الحاجة إلى النقد الأجنبي لا يمكن توفيرها لإيران.بدوره، قال المحلل السياسي، علي بيكدلي، للصحيفة نفسها، إن حكومة “رئيسي” كانت ضعيفة، وإن سياسة النظام في توحيد السلطات بيد تيار واحد (التيار الأصولي) كانت غير ناجحة، مشددًا على ضرورة أن يكون الرئيس القادم صاحب رؤية تجاه قضايا المنطقة والعالم، وأن يكون جريئًا في القيام بتغيير نهج إيران في سياساتها الخارجية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ثالثاً: الاوضاع الاقتصادية في ايران

أدت سياسات الرئيس رئيسي الاقتصادية إلى هبوط قيمة العملة الإيرانية، بأكثر من الضعف؛ حيث وصل سعر الدولار الأميركي الواحد إلى 70 ألف تومان، بعد أن كان سعره نحو 30 ألف تومان. واستمرت ولايته ثلاث سنوات، عانت فيها إيران من التضخم المفرط، ناهيك عن أزمة الاحتجاجات الداخلية، التي انطلقت إثر مقتل الشابة مهسا أميني، على يد قوات شرطة الأخلاق، بسبب حجابها غير الكامل. وبعد تلك السنوات الثلاث، يقع على عاتق الرئيس الجديد رقّع ما تمزق في إيران، وأيًا كان اختيار النظام لخلافة “رئيسي”، فإنه يجب على الرئيس القادم أن يدير تركة مثقلة وميراثًا محملًا بالأعباء، فما هو هذا الميراث بعد ثلاث سنوات من حكم “رئيسي”؟

  • مشكلة المتقاعدين: لاتزال إيران تشهد احتجاجات هنا وهناك؛ نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والأزمة المستمرة على جميع المجالات والأصعدة، بالإضافة إلى الاحتجاجات عام 2022.وتظهر الإحصائيات أنه في عام 2023، تم تنظيم ما مجموعه 560 مسيرة احتجاجية من قِبل المتقاعدين في 81 يومًا من العام بجميع أنحاء البلاد؛ وهذا يعني تنظيم تجمع للمتقاعدين كل 4- 5 أيام تقريبًا.ولم تعد رواتب المتقاعدين تسد تكاليف حياتهم وحياة أسرهم؛ حيث تبلغ نسبة متوسط معاشات التقاعد، التي تقدمها الحكومة إلى متوسط نفقات الأسرة، في المدن الكبرى، 47%..وهناك 9 ملايين و400 ألف متقاعد، في إيران اليوم، معظمهم تابعون لصندوق الضمان الاجتماعي، الذي يواجه أزمة كبيرة في دعمه؛ بسبب تزايد أعداد المتقاعدين، ولايزال صامدًا بفضل المساعدات الحكومية.ويظهر مشروع تعداد القوى العاملة لعام 2023، والذي نشره مركز الإحصاء، أنه على الرغم من التعريفات التعسفية للشخص العامل، فمن بين إجمالي 64 مليونًا و550 ألف إيراني فوق سن 15 عامًا، لا يعمل منهم سوى 26 مليونًا و638 ألف شخص فقط.أولئك الذين يعملون ليسوا راضين إطلاقًا عن حالة الضرائب وتكاليف الإنتاج، ويظهر إضراب بائعي الذهب وسائقي الشاحنات هذا الاستياء وعدم الرضا عن الوضع الراهن.
  • الحالة المالية للحكومة, اشارت آخر إحصائيات البنك المركزي الإيراني، للربع الثاني من عام 2023، إلى أنه في شهر كانون الأول(ديسمبر)، بلغ إجمالي الأوراق النقدية المطبوعة 1481 ألف مليار ريال، مرتفعة بنحو 50 بالمائة مقارنة بـ 2021.وبنهاية الربع الثاني من العام 2022، ارتفعت ديون البنوك بنسبة 430 بالمائة، مقارنة بـعام 2021، كما ارتفعت ديون الحكومة والشركات المملوكة للدولة إلى البنك المركزي، بنسبة 80 بالمائة، خلال المدة نفسها.من ناحية أخرى، انخفضت الأصول الأجنبية للبنك المركزي من 5682 ألف مليار ريال، عام 2021، إلى 4486 ألف مليار ريال، في نهاية الربع الثاني من عام 2023، أي بانخفاض قدره 21%.
    والواقع أن هناك عاملين، وهما القاعدة النقدية والأصول الأجنبية للبنك المركزي، واللذان يسيران على طريق التضخم، وقد يكون الأخير أكثر خطورة بكثير.
    وبما أن الأصول الأجنبية للبنوك المركزية هي أحد عوامل استقرار عملات البلدان، وتلعب دورًا مهمًا في التعامل مع الصدمات الخارجية، فإن انخفاض النقد الأجنبي للبنك المركزي يمكن أن يعتبر بمثابة تحذير؛ خاصة في إيران التي تقوم حاليًا بتصدير منتجاتها من النفط والغاز والبتروكيماويات بإعفاءات مكتوبة أو غير مكتوبة.
  • الغلاء والتضخم: أظهر تقرير البنك المركزي أن سعر المتر المربع للسكن في العاصمة طهران، ارتفع بنحو 180 بالمائة، في نيسان (أبريل) 2024، مقارنة بنسيان(أبريل) 2021. ورغم أن تقرير مركز الإحصاء يقول إن معدل التضخم السنوي لعام 2023 كان يساوي 41 بالمائة، فإن جدول سداد الديون لدى البنك المركزي يشير إلى معدل تضخم قدره 52 بالمائة، وهو معدل غير مسبوق منذ 80 عامًا .وبلغ التضخم عام 2022 نحو 47%، وبلغ عام 2021 نحو 40%. وهذا التغير في الأسعار مفهوم جيداً للعائلات الإيرانية التي كانت تشتري كيلو الأرز الأجنبي عام 2021 بنحو 24- 25 ألف تومان، والآن يتعين عليها شراء الأرز نفسه بنحو 60 ألف تومان للكيلو الواحد ولا يحتاج الأمر إلى أرقام وإحصاءات. وبينما أوشك الشهر الخامس من عام 2024 على الانتهاء، لايزال البرلمان الجديد لم يبدأ أعماله رسميًا، وهو برلمان جاء بأقل نسبة مشاركة شعبية في الانتخابات، ومن ناحية أخرى، مات الرئيس الإيراني، ولم يتم بعد تحديد ميزانية العام الإيراني الذي انتهت منه ثلاثة أشهر.ولايزال الاقتصاد الإيراني يعاني صدمة انسحاب الرئيس الامريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، حيث توقفت عجلة تقدمه ونموه، الذي بدأ منذ التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015، وإزالة الحظر الاقتصادي على إيران.وفي عام 2021، عندما دخل الرئيس الجديد المبنى الرئاسي، حذر الاقتصاديون من أن إيران في طريقها لأن تصبح فنزويلا ثانية، بسبب نسبة التضخم، وقد تأخرت هذه العملية بسبب تخفيف العقوبات من قِبل الولايات المتحدة، وزيادة مبيعات النفط الإيراني، لكن ظل هذه العقوبات لايزال يخيّم على الاقتصاد الإيراني.وبغض النظر عن الشعارات الاقتصادية، التي يطلقها المسؤولون في إيران، فإن الاقتصاد الإيراني في الواقع لايزال يعتمد على النفط، وهذا الاعتماد هو السبب في فاعلية العقوبات؛ حيث يتبقى نحو خمسة أشهر، حتى 5 تشرين الثاني(نوفمبر) 2024 (موعد إجراء الانتخابات الأميركية)، منها شهر واحد سينقضي لإجراء الانتخابات المبكرة في إيران، في حزيران(يونيو) .ورغم أنه بات متعارفًا عليه في إيران أن الرئيس يقضي دورتين رئاسيتين، فإن الوضع في البلاد اليوم ليس طبيعياً، خاصة إذا كان شخص ما مثل ترامب هو الذي سيحكم الولايات المتحدة.ولو لم يلقَ إبراهيم رئيسي حتفه في تحطم المروحية، لربما أتيحت للمرشد الإيراني، علي خامنئي، فرصة اختيار مرشح مناسب للسنوات الأربع المقبلة، مع الأخذ في الاعتبار الرئيس المنتخب للولايات المتحدة.
  • الواقع والتداعيات: إن الدعاية الكبيرة التي تقوم بها السلطات الإيرانية حول الرئيس الراحل، إبراهيم رئيسي، هذه الأيام، تأتي بهدف التمهيد لاختيار شخص على غراره؛ بحيث يكون مطيعًا جيدًا للنظام على الصعيدين الداخلي والخارجي.وهذا ما دفع بصحيفة “اعتماد” الإيرانية إلى الاعتقاد بأن السلطة ستختار هذه المرة، كما فعلت في المرة السابقة، شخصًا واحدًا، وتمهد له كل الطرق والأسباب للوصول إلى الرئاسة؛ ليكمل ما بدأه “رئيسي” من سياسات متوافقة مع باقي مؤسسات الدولة وشخص المرشد، علي خامنئي.وقدمت صحف ايرانية أخرى، مثل “جهان صنعت”، “خريطة طريق” للخروج من الأزمة، وانتقدت إجراءات حكومة “رئيسي”، مؤكدة ضرورة ترك المجاملات في تقييم أداء هذه الحكومة، التي سبق أن اعتبرتها صحف ووسائل إعلام أسوأ حكومة عرفتها إيران الحديثة.وأشارت الصحيفة إلى الأرقام الكبيرة لحجم السيولة، وقالت: “بلغت سيولة البلاد 339 ألف مليار تومان عام 2011، والآن وصلت إلى 7965 ألف مليار تومان بزيادة 28,5 مرة.وشددت الصحيفة على ضرورة أن يكون الرئيس القادم مطلعًا على هذه الأوضاع، ومدركًا لحجم الخطورة والضعف المالي، الذي تعانيه البلاد، في ظل السياسات التنفيذية السابقة المتسمة بالأخطاء الفادحة، فيما يتعلق بقضايا مثل الصرف الأجنبي والديون المالية.ورأت صحيفة “ثروت” الايرانية أن الحكومة القادمة في إيران لديها فرصة جيدة لتغيير السياسات الكبرى، فيما يتعلق بالشؤون الاقتصادية؛ نظرًا للظروف والخصوصية التي تمتاز بها هذه المرحلة، بعد عقود من الثبات في طريقة وعمل الحكومات وفتراتها الزمنية.وأكدت صحيفة “ستاره صبح” أن الظرف الخاص لإيران يتطلب وجود رئيس ذي خبرة دبلوماسية وقدرة على المناورة، وأن يكون مجموع وزرائه من التكنوقراط المستقلين وذوي الخبرة في مجالاتهم لإخراج البلاد من أزمة التضخم والعقوبات.

رابعاً: علاقات إيران الخارجية

إن إيران في موقف حساس جداً في الوضع الحالي. ليس فقط إيران، بل الوضع في المنطقة حساس. وكي نفهم الأحداث الأخيرة في فلسطين، وما حدث منذ تشرين الأول (أكتوبر)2023، فعلينا أن نبتعد عن الأحداث المحدودة، وننظر إلى الوضع من منظور أوسع. يجب أن ننظر إلى الأحداث كسلسلة متشابكة. إننا على أعتاب تحول إقليمي كبير، وهناك فرص لإيران في هذه الحالة.فقد اتسمت علاقات ايران بالدول العربية في عهد الرئيس رئيسي بانفتاح كبير، ظهرت أبرز ملامحه في إبرام اتفاق وُصف بالتاريخي مع السعودية في عام 2023، أنهى قطيعة دامت سبع سنوات بين البلدين، إلى جانب إحراز تطور في العلاقات مع بعض الدول العربية كمصر وتونس، ما دفع بعضهم للقول إن تحسين العلاقات الإيرانية العربية يأتي كأحد أبرز إنجازات الرئيس رئيسي وحكومته.

وتدرك إيران جيدًا أن منطقة الشرق الأوسط باتت تمر بمرحلة دقيقة تتطلب إعادة ترتيب القوى الإقليمية فيها، وعلى الرغم من وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي والوفد المرافق له وعلى رأسه وزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان، بشكل مفاجئ، وهي الوفاة التي لم تكن إيران تعد لها العدة الكافية لمواجهة تداعياتها، إلا أن استراتيجية إيران تجاه المنطقة لن تتغير مهما تغير من يجلس على كرسي الرئاسة في إيران.

وقالت صحيفة “آرمان امروز” الايرانية، تعليقًا على عدم زيارة الرئيس السوري، بشار الأسد، حليف إيران المفترض في المنطقة، إلى ايران وتقديم العزاء في وفاة “رئيسي” بشكل مفاجئ، إن هناك تقارير وأخبارًا تتحدث عن وجود خلافات بين سوريا وإيران مؤخرًا.
وأضافت الصحيفة أن بعض الشائعات تذهب أيضًا إلى القول إن النظام السوري هو من يسرب المعلومات للجانب الإسرائيلي للقيام بهجمات ضد مواقع وأهداف إيرانية.ونقلت الصحيفة أيضًا تصريحًا للسفير السوري في طهران، شفيق ديوب، حاول فيه تبرير عدم زيارة بشار الأسد إلى إيران، بقوله: “السيد بشار الأسد حاول جاهدًا أن يكون بجانب إيران في هذه المحنة الكبيرة، لكن حدث ظرف صعب للغاية، وحالة خاصة منعته من الحضور، لكنه أجرى اتصالًا هاتفيًا بنائب الرئيس الإيراني المؤقت، محمد مخبر، وأبلغه تعازيه”.

أما الموقف من القضية الفلسطينية فقد اوضح باقري كني الذي تولى مهام وزارة الخارجية لقيادات الفصائل الفلسطينية:- إيران ستواصل كل مساعيها للدفاع عن الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة حتى إنهاء العدوان. فالمقاومة ليست شعاراً أو تكتيكاً بل هي مبدأ قائم على ضرورات واقعية. والشعب الفلسطيني يقاوم العدوان الصهيوني منذ أكثر من 7 أشهر رافعاً راية عزته واستقلاله. ويكفي المقاومة فخراً إذلال الصهاينة في ساحة المعركة والساحات السياسية والقانونية والدبلوماسية العالمية.والولايات المتحدة لم تستطع برغم كل أدواتها إنقاذ الصهاينة في الساحات الدولية.

أما في الساحة اللبنانية فقد أشار حسن نصر الله زعيم جزب الله في خطاب له وفيه ثلاثة رسائل إيرانية على لسانه:

الأولى: إن الجبهة الداخلية متماسكة: “مشهد تشييع الشهداء الأبرار بدءً من تبريز إلى قم وصولا إلى طهران ومشهد، إلى جانب التشييع الفردي للشهداء شكلت مشاهد ضخمة ومليونية، وهذه الجنازة كانت ثالث أكبر جنازة في تاريخ البشرية بعد تشييع الإمام الخميني والشهيد قاسم سليماني. هذه الرسالة يجب أن تطمئن كل المحبين خارج إيران الذين يقلقون بسرعة، كما أنها رسالة للعدو الذي فرض الحروب على إيران والعقوبات والحصار ومع ذلك بقيت إيران قوة وصامدة وتكبر وتتطور ويعلو شأنها في العالم على كل الأصعدة”.

الثانية: إن الدولة ومؤسساتها متماسكة لم ولن يتم تعطيلها: “الرسالة الثانية لمشاهد التشييع إن إيران هي دولة قوية متماسكة صلبة، ورغم انه احزنها جدًا استشهاد السيد رئيسي وعبداللهيان ورفاقهما ولكنه لم يربكها أو يضعفها. لم يتم تعطيل البلد في إيران رغم الحادثة المحزنة لأنها دولة دستور ومؤسسات وقانون وعلى رأسها قائد كبير وعظيم إلى جانب الثقة والحاضنة الشعبية”.

الثالثة: الاستمرار في السياسة وما حدث لن يردعني: “الرسالة الثالثة: إيران لم تبدل ولم تتراجع في دعمها لفلسطين والقضية الفلسطينية، بل عاما بعد عام كان يزداد دعمها وكلما تحسنت إمكانياتها السياسية والمعنوية والمادية والعسكرية لم تبخل في دعم هذه القضية لكل الأعداء الذين ينتظرون أن تضعف إيران وتتخلى عن فلسطين. والمقاومة نقول لهم أنتم تعيشون أوهاما فإيران ستبقى السند الأقوى في هذا العالم إلى جانب فلسطين وحركات المقاومة”.

أما إسرائيل فقد قامت بعدد من العمليات الإرهابية في إيران، لتثبت أنها في موقع يمكّنها من مهاجمة أي مكان تريد، ولن یقدر علیها أحد، ويبدو أن الغربيين أیضاً قبلوا هذه الظروف.فقد هاجمت “إسرائيل” القنصلية الإيرانية. والفكرة من وراء ذلك الهجوم کانت أن إيران إما سترد، وإما لا تردّ. فإذا لم ترد، فهذا يعني أنها تستعيد التوازن السابق، وإذا ردّت إيران، فإن الحرب ستتسع وستُنسى غزة. ولم يكن الإسرائيليون يتخيلون أن إيران ستتصرف بطريقة تجعل عمليتها ناجحة، وفي الوقت نفسه لا تتّسع دائرة الحرب.وتصرفت إيران بصورة صحيح للغاية. وعملیاً، جعلت “إسرائيل” عاجزة عن الرد، وألحقت ضرراً کبیراً بها، مرة أخری. والآن، تعاني “إسرائيل” أزمة داخلية، وفقدت صدقيتها في العالم.ونرى نظاماً في سلوك إيران الأمني، إذ حافظت إيران وسلطاتها على نظام البلاد، وحافظت أيضاً على أمنها القومي. وهذه فرصة في حماية هذا الوضع، ويجب جعله مستداماً.

وقد جاءت وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي بعد جولة من غير مسبوقة من التصعيد بين إيران وإسرائيل، والتي كانت أبرز تجلياتها أن هاجمت إيران عمق إسرائيل بمئات المسيرات والصواريخ الباليستية والكروز، بعد مقتل أبرز قادة الحرس الثوري الإيراني في سوريا محمد رضا زاهدي في غارة إسرائيلية على مقر القنصلية الإيرانية في سوريا في الأول من نيسان (إبريل) 2024، وهو ما وضع نظام الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي تحت المجهر لمعرفة الرد المتوقع من إيران تجاه هذا الاعتداء، وهو ما رسم خطًا جديدًا في طبيعة السياسات الإيرانية تجاه دول الإقليم باعتبار أن ذلك الهجوم هو الأول من نوعه من إيران تجاه إسرائيل.

وتظهر المؤشرات العامة للسياسات الإيرانية أن الفراغ المفاجئ في السلطة التنفيذية الإيرانية نتيجة وفاة الرئيس الإيراني لا تعد مؤشرًا على حدوث أي تغيير في استراتيجية إيران المتعلقة بالسياسة الخارجية والإقليمية الإيرانية تجاه منطقة الشرق الأوسط، خاصة وأن إيران دولة مؤسسات ويجلس المرشد الأعلى علي خامنئي على رأس تلك المؤسسات.ورسم ملامح سياسية جديدة داخليًا وخارجيًا بالتنسيق مع مؤسسات الحرس الثوري سواء العسكرية أو الاقتصادية، كما يمكنه دعم صعود شخصية معينة في وقت قريب لتولي منصب الرئيس خلفًا للرئيس الراحل بسهولة ويسر، وهو ما يجعل من المرشد بمثابة المايسترو في الفرقة الموسيقية، والذي يقود الأوركسترا للخروج بمشهد نهائي ملائم له.

وظهرت مؤشرات أن النظام في إيران يسعى إلى استثمار جماعاته وحلفائه في الإقليم للاستمرار في نشاطه العسكري والسياسي بعد وفاة رئيسي، ويعزز تلك الفرضية الاجتماع الذي عقده قائد الحرس الثوري إسماعيل سلامي وذراعه الأيمن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري إسماعيل قاآني مع قادة الحركات العسكرية والسياسية المدعومة من إيران في عدة دول عربية أبرزها الحوثيين وحركة حماس وحزب الله وغيرهم من الفصائل الولائية التي تدين بالولاء لإيران، عقب مراسم تشييع الرئيس الإيراني الراحل، وهو الاجتماع الذي أسفر عن تأكيد لهؤلاء الحلفاء بأن إيران لازالت ملتزمة بدعمهم ودعم نشاطهم وممارساتهم في الإقليم لتحقيق الأجندة الإيرانية، وهي رسالة بأن وفاة الرئيس الإيراني ليس معناه تقليص الدعم الإيراني لوكلائها أو حلفائها كما تسميهم.

خاتمة

يمكن التأكيد على أن إيران – بعد وفاة رئيسي – ترمى إلى تعظيم نفوذها وتطوير سيطرتها الاستراتيجية والعسكرية على عدة مناطق أبرزها سوريا، حيث تسعى لتخفيف سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الأكراد المتحالفة مع الولايات المتحدة على الأراضي الواقعة شرق نهر الفرات في سوريا من أجل تعظيم النفوذ الإيراني في سوريا. والتركيز على معالجة الإخفاقات الاستخباراتية المتكررة التي كشفت في منظومتها الاستخباراتية والعسكرية، والتي أدت إلى ما وصلت إليه الآن. وتسعى إيران في الوقت الحالي إلى القفز على العقوبات الأمريكية من أجل عدة أمور هي:

أولًا: الاستمرار في دعم وكلائها وحلفائها في الإقليم حتى لا ترسل وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إشارات إلى “أعداء إيران” أو ما تسميهم “قوى الاستكبار العالمي” بأنها باتت غير قادرة على الحركة في الإقليم نتيجة وفاة أحد رجالاتها.

ثانيًا: ضرورة تحديث منظومتها العسكرية والمدنية على حد سواء لتلافي الأزمات المتكررة التي وقعت فيها إيران وأبرزها سقوط طائرة الرئيس إبراهيم رئيسي والتي أدت لوفاته، علاوة على ضرورة النظر بعين الاعتبار لتحديث منظومتها العسكرية بالتعاون مع روسيا والصين، إذ من المرجح أن تضاعف طهران جهودها للحصول على أسلحة روسية متقدمة، حتى لو كان ذلك من شأنه أن يضر بعلاقات إيران مع أوروبا التي يتماهى موقفها مع الموقف الأمريكي في فرض العقوبات ومهاجمة إيران بتصريحات عدائية.

المصدر

https://afaip.com/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3/