الحرية بثمن الانتحار!! تحليل الآثار النفسية للمعتقلين بعد الإفراج من قبل جهاز المخابرات الاحتلال الإيراني

حزيران/يونيو 10, 2024 92

 في الأعوام الأخيرة، شهدنا زيادة في الاهتمام بحالة المعتقلين الذين أُفْرِج عنهم من قبضة مخابرات الاحتلال الإيراني، وخاصة أولئك الذين أُطْلِق سراحهم مقابل كفالات مالية باهظة. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: لماذا يلجأ كثير من هؤلاء المعتقلين إلى الانتحار بعد استعادة حريتهم؟ تكشف الإجابة عن هذا السؤال عن واقع مرير وآليات قاسية تُستخدم داخل زنازين مخابرات الاحتلال الإيراني تترك آثاراً مدمرة على الصحة النفسية للمعتقلين، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن الثمن الحقيقي للحرية.

الزنازين الانفرادية وظروف الاعتقال القاسية تشكل البيئة المثالية لنشوء وتفاقم الضغوط النفسية على المعتقلين. العزلة الطويلة، والحرمان من التواصل مع العالم الخارجي، والغموض بشأن المستقبل، كلها عوامل تؤدي إلى شعور المعتقلين باليأس والعجز، وهو ما ينبغي فهمه ومعالجته بجدية.

لا يقتصر الأمر على الضغط النفسي فحسب، بل يتعداه إلى تعرض المعتقلين لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والفكري الممنهج. هذه الممارسات لا تترك فقط آثاراً جسدية، بل تخلف جروحاً نفسية عميقة، تجعل من الصعب على المعتقلين إعادة التكيف مع الحياة الطبيعية بعد الإفراج عنهم.

أنا شخصياً (كريم حبيب الأحوازي) في رحلتي داخل أروقة السجون مخابرات الاحتلال، اختبرت معنى الألم بأعمق أشكاله، ليس فقط على المستوى الجسدي، ولكن أيضاً على الصعيد النفسي. التعذيب الذي مورس عليّ من قبل مخابرات الاحتلال الإيراني لم يكن ليدمر فقط جسدي، بل استهدف ذاكرتي وهويتي الشخصية، مما أدى إلى فقداني ذاكرتي وعدم قدرتي على تذكر أقرب الناس إلي، والدتي وإخوتي. لكن رغم شدة الاختبار، ظل وجه والدي محفوراً في ذاكرتي.

تختلف معاملة المعتقلين الأحوازيين داخل سجون المخابرات عن باقي المعتقلين الذي ينتمون إلى أفكار أخرى بشكل ظاهر، حيث تتبع السلطات والاستخبارات أساليب معينة لكسر إرادة الأحوازيين وتقليل شأن قضيتهم. هذا النهج المتبع يظهر بوضوح النية لإضعاف الروح المعنوية والإرادة لدى المعتقلين الأحوازيين، مما يخلق فجوة كبيرة بين معاملتهم ومعاملة باقي المعتقلين.

حيث يتم معاملة باقي المعتقلين بطرق أقل قسوة، يطلب منهم كتابة "توبة نامه" والانخراط في نشاطات جماعية كصلاة الجماعة داخل المخابرات وزيارات يومية لشخص معمم والتحدث، لإظهار استسلامهم. هذا الاختلاف في المعاملة يعكس التمييز الواضح ضد المعتقلين الأحوازيين، ويسلط الضوء على المعايير المزدوجة داخل السجون وزنازين مخابرات الاحتلال الإيراني.

التجربة التي يمر بها المعتقلون الأحوازيون، داخل زنازين المخابرات لا تُحرمهم من حريتهم فحسب، بل ومن حقوقهم الأساسية كبشر. تساهم هذه العزلة في الشعور بفقدان الكرامة والانفصال عن الذات، مما يعقّد من عملية الشفاء النفسي بعد الإفراج.

إضافة إلى ما سبق، فإن الإفراج عن المعتقلين مقابل كفالات مالية باهظة الثمن يضيف عبئاً نفسياً ومادياً كبيراً عليهم وعلى أسرهم. هذا الدين المالي المفروض كشرط للحرية يزيد الضغوط المعيشية والنفسية، وقد يؤدي إلى شعور بالعجز والقلق بدلا من الراحة والأمان بعد الإفراج.

المعتقلون السابقون يواجهون كذلك تحدي وصمة العار الاجتماعية!! مع الأسف، والصعوبات المادية بعد الإفراج وأيضا النظرة السلبية من بعض أفراد المجتمع وصعوبات إيجاد عمل تزيد الشعور بالعزلة، وتعيق عملية الاندماج الناجح في المجتمع مجددا. ويأتي نقص الدعم النفسي والاجتماعي بعد الخروج كأحد أهم العوائق التي تواجه المعتقلين الأحوازيين في طريقهم نحو التعافي. يعكس هذا مصير المعتقلين الأحوازيين وكثير من السجناء في خارطة إيران السياسية المزيفة بعد الإفراج الحاجة إلى تغيير جذري في كيفية التعامل مع هذه القضايا. إن الكفاح من أجل حقوق الإنسان وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للمعتقلين سابقاً يجب أن يكون في صميم الجهود الرامية.

لكن السؤال لماذا يجد العديد من المعتقلين أنفسهم محاصرين بعد الإفراج؟ في قلب المعاناة الإنسانية، تكمن قصص المعتقلين الذين أطلق سراحهم من زنازين مخابرات الاحتلال الإيراني مقابل كفالات مالية باهظة، ليجدوا أنفسهم في مواجهة مع آلام لا تنتهي أبداً. إن البحث في أعماق هذه المأساة يكشف عن معاناة نفسية وجسدية عميقة، ويطرح أسئلة ملحة حول الأسباب التي تدفع هؤلاء الأفراد إلى الانتحار بعد تحريرهم.

هذا المقال يدعو إلى التأمل في الجوانب المعقدة لهذه القضية، بدءاً من الضغوط النفسية الشديدة وصولاً إلى التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المعتقلين بعد الإفراج عنهم والمضايقات من قبل المخابرات:

الحياة داخل زنازين المخابرات الإيرانية تعني العيش تحت ظروف قاسية، حيث يتعرض المعتقلون لتعذيب جسدي وفكري يستهدف كسر إرادتهم. هذا النوع من التعذيب يترك آثاراً نفسية عميقة، فتأثيراته لا تنتهي بمجرد الخروج من الزنازين، بل تتوغل في أعماق نفسية المعتقل، مسببة ضغوطاً تتراوح بين الصدمة النفسية واضطرابات ما بعد الصدمة. العزلة وفقدان الحقوق الإنسانية تعمق العزلة والتجريد من الحقوق الأساسية من جراح المعتقلين، حيث يُنظر إليهم كأرقام في نظام لا يعترف بإنسانيتهم. هذه العزلة لا تزيد الوضع إلا سوءاً، مما يجعل عملية التكيف مع الحياة خارج الزنازين أكثر صعوبة، ويضع المعتقل في مواجهة مع مشاعر الوحدة والاغتراب عن المجتمع.

عقب الإفراج، يواجه المعتقلون وصمة عار اجتماعية ومادية تفرضها المجتمعات التي يعودون إليها. هذا النبذ يؤدي إلى العزلة الاجتماعية، ويصعب من عملية الاندماج مجدداً في المجتمع، مما يحول دون تحقيق الدعم النفسي والاجتماعي اللازم للتعافي.

نقص الدعم النفسي والاجتماعي أحد العوامل الكبرى التي تسهم في معاناة المعتقلين بعد الإفراج والعديد من المعتقلين يجدون أنفسهم وحيدين في مواجهة تحديات إعادة الاندماج في المجتمع، دون وجود شبكة دعم تساعدهم على التغلب على الآثار النفسية والمادية للسجن والتعذيب.

ختاماً، التوجه نحو الأمل والعمل يتطلب التعافي من آثار الاحتجاز والتعذيب جهوداً مشتركة من المجتمع والمؤسسات والأهل والأصدقاء الذين يمكنهم توفير الدعم اللازم لهؤلاء المعتقلين. من الضروري توسيع شبكات الدعم النفسي والاجتماعي لضمان إعادة اندماج هؤلاء الأفراد بنجاح في المجتمع. استراتيجية شاملة تشمل التأهيل النفسي والمساعدة المادية يمكن أن تقدم أملاً جديداً لهؤلاء الأفراد، وتمكنهم من تجاوز التجارب الأليمة التي عاشوها وبناء مستقبل مشرق.

كريم حبيب الأحوازي

مايو 2024